الشيخ محمد هادي معرفة
377
التفسير الأثرى الجامع
الندى . وكذلك السدّي ، قال : أمّا الطلّ فالندى « 1 » . * * * وهناك مشهد آخر يمثّل مغبّة كفران النعم ، وسوء عاقبة من لا يجعل اللّه نصب عينيه ويغفل التكلان عليه في أموره كلّها ، الكبار منها والصغار . فهذا لا يضمن له الفلاح ، ما دام على غفلته وعماه . وهكذا تنمحق آثار الصدقة - من المرائي المعجب بنفسه - محقا ، في وقت لا يملك صاحبها قوّة ولا عونا ، ولا يستطيع لذلك المحق ردّا . وهذا المشهد تمثيل لهذه النهاية البائسة ، في صورة موحية عنيفة الإيحاء . كلّ ما فيها عاصف بعد أمن ورخاء . يقول تعالى - في صورة استفهام استنكار تحذير - : أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ . نعم ، إنّ هذه الصدقة - الّتي يصحبها منّ وأذى ، والّتي لا يعود لصاحبها بعائدة ، ويخيب آماله فيها في نهاية المطاف - هذه الصدقة في أصلها وفي آثارها تمثّل في عالم المحسوسات : جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ والجنّة : حديقة ذات شجر ملتفّ . تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ، تجري خلالها وتحت أظلّة أشجارها . لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ من كلّ أنواع الثمار . إنّها روضة بهيجة ، ظليلة وارفة مخصبة مثمرة . وكذلك الصدقة في طبيعتها وفي آثارها ، كذلك هي في حياة المعطي وفي حياة الآخذ ، وفي حياة الجماعة المسلمة ، هي ذات روح وظلّ وارف ، وذات خير وبركة يعمّ نفعها الجميع .
--> ( 1 ) الدرّ 2 : 46 ؛ الطبري 3 : 101 / 4761 و 4762 ؛ القرطبي 3 : 317 ، عن مجاهد ؛ ابن أبي حاتم 2 : 521 / 2766 ، عن مجاهد ، وزاد : وروي عن عكرمة وقتادة وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيّان والضحّاك والسدّي والربيع بن أنس نحو ذلك ؛ البخاري 5 : 162 ، غير منسوب ، بلفظ : « الطلّ » الندى ، وهذا مثل عمل المؤمن ؛ عبد الرزّاق 1 : 370 / 341 ؛ الثعلبي 2 : 265 ؛ البغوي 1 : 363 .