الشيخ محمد هادي معرفة

369

التفسير الأثرى الجامع

ولأنّ الصدقة - في واقعها - ليست تفضّلا من المانح على الآخذ ، إنّما هي قرض للّه . عقّب على هذا بقوله : وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ غنيّ عن الصدقة المؤذية ، حليم عن فرطاتكم في جنب اللّه ، فلم تراعوا حريمه حقّ رعايته ، ولكنّ اللّه غفور رحيم . قوله : وَمَغْفِرَةٌ يراد بها التجاوز عن الإساءة ، فيما إذا تجاسر السائل أو ألحّ في سؤاله أو جفا بحقّ المسؤول ، كأن يقول : أعطني حقّ اللّه الّذي منحك ، أو امنحني حقّي الّذي فرضه اللّه في أموالك ، ونحو ذلك من التعابير الّتي قد يثير غضب المتصدّق فيقابله بالجفاء والردّ ، وقد قال تعالى : وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ « 1 » مهما جفاك في السؤال والإلحاح . فإن لم يكن لديه ما يقضي به حاجة السائل المحتاج وكان قد ألحّ عليه ، فليكن ردّه برفق ، ويرفقه بالاستغفار له قائلا : ليس عندي ما أسدّ به فقرتك ، فاذهب يرحمك اللّه ويغفر لك . [ 2 / 7658 ] وأخرج ابن المنذر عن الضحّاك في قوله : قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ الآية . قال : ردّ جميل ؛ يقول : يرحمك اللّه يرزقك اللّه ، ولا ينتهره ولا يغلظ له القول « 2 » . [ 2 / 7659 ] وعن بشر بن الحرث قال : رأيت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام في المنام فقلت : يا أمير المؤمنين ، تقول شيئا لعلّ اللّه ينفعني به ! فقال : « ما أحسن عطف الأغنياء على الفقراء رغبة في ثواب اللّه ، وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء ثقة بموعود اللّه - عزّ وجلّ - » . فقلت : يا أمير المؤمنين زدني ، فولّى وهو يقول : قد كنت ميتا فصرت حيّا * وعن قليل تصير ميتا فاضرب بدار الفناء بيتا * وابن بدار البقاء بيتا « 3 » * * * هذا ، وبعد استعراض مشهد الحياة النامية الواهبة مثلا للّذين ينفقون أموالهم في سبيل اللّه ، دون أن يتبعوا ما أنفقوا منّا ولا أذى ، وبعد التلويح بأنّ اللّه غنيّ عن ذلك النوع المؤذي من الصدقة وأنّه تعالى هو الواهب الرازق ، ولا يعجل بالغضب .

--> ( 1 ) الضحى 93 : 10 . ( 2 ) الدرّ 2 : 43 . ( 3 ) الثعلبي 2 : 261 ؛ تاريخ بغداد 9 : 432 ؛ القرطبي 3 : 310 .