الشيخ محمد هادي معرفة
333
التفسير الأثرى الجامع
وهكذا حجاج إبراهيم مع الّذي آتاه اللّه الملك ، فيما سبق . وسائر حججه الّتي أتمّها اللّه عليه وكانت رمز فخار لإبراهيم وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ « 1 » ممّا لا يخصّ فهمها إبراهيم ، وإنّما هي هدايته تعالى لإبراهيم في الإحجاج بها للناس ، لإخراجهم من الظلمات إلى النور . فالجميع مشتركون في فهمها ، وكانت مواقف إبراهيم منها موقف معلّم مرشد خبير ومؤيّد بنصر اللّه . وعليه فمثال الطيور هنا ، مثل لكلّ من رام معرفة موضع قدرته تعالى في الخلق والتكوين . وليس لغاية العلم بسرّ الحياة أو معرفة كنه الوجود ! ! قال : وجملة القول : أنّ تفسير أبي مسلم للآية هو المتبادر الّذي يدلّ عليه نظم الآية ، وهو الّذي يجلّي الحقيقة في المسألة ، فإنّ كيفيّة الإحياء هي عين كيفيّة التكوين في الابتداء ، وإنّما تكون بتعلّق إرادته تعالى بالشيء ، المعبّر عن ذلك بكلمة التكوين ( كن ) . فلا يمكن أن يصل البشر إلى كيفيّة له ، إلّا إذا أمكن الوقوف على كنه إرادته تعالى وكيفيّة تعلّقها بالأشياء ، الأمر الّذي ليس بوسع البشر . وإنّما للإنسان أن يدرك صفاته تعالى وكيفيّة فعاله في الخلق والتدبير ، بالتدبّر في مظاهر الكون وفي ظاهرة التحوّل والتحويل في الخلق والإيجاد . أمّا كنه صفاته وحقيقة فعاله ، فلا . قال : هذا ما أفاده قول أبي مسلم رحمه اللّه . قال : وممّا يؤيّده في النظم المحكم ، قوله تعالى : ثُمَّ اجْعَلْ ؛ فإنّه يدلّ التراخي الّذي يقتضيه إمالة الطيور وتأنيسها ، بناء على أنّ لفظ « صرهنّ » يدلّ على التأنيس . ولولا أنّ هذا هو المراد ، لقال : فخذ أربعة من الطير فقطّعهنّ واجعل على كلّ جبل منهنّ جزء ، ولم يذكر لفظ الإمالة إليه ويعطف « جعلها على الجبال » بثمّ ! ويدلّ عليه أيضا ختم الآية باسم العزيز الحكيم ، دون اسم القدير . والعزيز هو الغالب الّذي لا ينال .
--> ( 1 ) الأنعام 6 : 83 .