الشيخ محمد هادي معرفة

331

التفسير الأثرى الجامع

يذهب إلى العظم ، والريشة إلى الريشة ، والبضعة إلى البضعة ، وذلك بعين خليل اللّه إبراهيم ، ثمّ دعاهنّ فأتينه سعيا ، يقول : شدّا على أرجلهنّ . وهذا مثل أراه اللّه إبراهيم ، يقول : كما بعثت هذه الأطيار من هذه الأجبل الأربعة ، كذلك يبعث اللّه الناس يوم القيامة من أرباع الأرض ونواحيها « 1 » . وفي هذا الحديث بعض الخلط ، حيث خلط بين فرض الحادثة - لتكون مثلا ضربه اللّه لإبراهيم كيف يتصوّر حشر الأموات يوم النشور - وبين تحقّقها عينا ، ممّا لا شاهد عليه من القرآن . * * * واحتجّ أبو مسلم - على وجاهة رأيه - بوجوه : أوّلا : المشهور في اللغة في قوله : فَصُرْهُنَّ أملهنّ ، وأما التقطيع والذبح ، فليس في الآية ما يدلّ عليه ، ومن ثمّ كان إدراجه في الآية إلحاقا لزيادة بالآية لم يدلّ الدليل عليها ، وإنّه لا يجوز . وقد عمد بعضهم إلى ترجمة فَصُرْهُنَّ إلى « قطّعهنّ » « 2 » . ولم يأت ذلك في اللغة على ما سنبيّن . ثانيا : لو كان المراد بصرهنّ : قطّعهنّ ، لم يصحّ تعديته بإلى : « صرهنّ إليك » . فإنّ هذا المعنى لا يناسبه التعدّي بإلى . لا يقال : قطّعهنّ إليك ، ولا معنى لذلك . . وإنّما يتعدّى بهذا الحرف إذا كان « صرهنّ » بمعنى « أملهنّ » . وزعموا أنّ في الكلام تقديما وتأخيرا ، وأنّ التقدير : فخذ إليك أربعة من الطير فصرهنّ ! لكن التزام التقديم والتأخير من غير دليل ، التزام لخلاف الظاهر من غير ضرورة . ثالثا : الضمير في قوله : ثُمَّ ادْعُهُنَّ عائد إلى الطيور بأعيانها ، لا بأجزائها ، وإذا كانت الأجزاء متفرّقة متباعدة بعضها عن البعض ، وكان الموضوع على كلّ جبل بعض تلك الأجزاء ، يلزم أن يكون الضمير عائدا إلى تلك الأجزاء ، لا إلى أعيان الطيور ، وهو خلاف الظاهر . وأيضا ، الضمير في قوله : يَأْتِينَكَ سَعْياً عائد إلى أعيان الطيور ، لا إلى أجزائها . أمّا على قول المشهور - إذا سعى بعض الأجزاء إلى البعض - كان الضمير في يَأْتِينَكَ عائدا إلى الأجزاء ، وكان يجب أن يكون صوغ الكلام هكذا : « يأتين بعضهنّ بعضا » .

--> ( 1 ) الدرّ 2 : 35 ؛ الطبري 3 : 81 / 4705 . ( 2 ) نسب ذلك إلى ابن عبّاس وسعيد بن جبير والحسن . مجمع البيان 2 : 178 .