الشيخ محمد هادي معرفة
324
التفسير الأثرى الجامع
به ، ويلقى حجرهم الّذي يفتخرون به على الناس في المزابل مائة سنة ، فأخبر إرميا أخيار بني إسرائيل ، فقالوا له : راجع ربّك ما ذنب الفقراء والمساكين والضعفاء ؟ فصام إرميا سبعا ثمّ أكل أكلة فلم يوح إليه شيء ثمّ صام سبعا فأوحى اللّه إليه : يا إرميا لتكفّنّ عن هذا أو لأردّنّ وجهك إلى قفاك ! قال : ثمّ أوحى اللّه إليه قل لهم : لأنّكم رأيتم المنكر فلم تنكروه ! فقال إرميا : ربّ أعلمني من هو حتّى آتيه وآخذ لنفسي وأهل بيتي منه أمانا ، قال : إيت موضع كذا وكذا فانظر إلى غلام أشدّهم زمانة ، وأخبثهم ولادة ، وأضعفهم جسما ، وشرّهم غذاء فهو ذاك ، فأتى إرميا ذلك البلد فإذا هو بغلام في خان زمن ملقى على مزبلة وسط الخان ، وإذا له أمّ تزني بالكسر وتفتّ الكسر في القصعة ، وتحلب عليه خنزيرة لها . ثمّ تدنيه من ذلك الغلام فيأكله . فقال إرميا : إن كان في الدنيا الّذي وصفه اللّه فهو هذا ! فدنا منه فقال له : ما اسمك ؟ فقال : بختنصّر . فعرف أنّه هو ، فعالجه حتّى برأ ثمّ قال له ، أتعرفني ؟ قال : لا ، أنت رجل صالح ، قال : أنا إرميا نبيّ بني إسرائيل أخبرني اللّه أنّه سيسلّطك على بني إسرائيل فتقتل رجالهم وتفعل بهم وتفعل ! قال : فتاه « 1 » في نفسه في ذلك الوقت ! ثمّ قال إرميا : اكتب لي كتابا بأمان منك ، فكتب له كتابا . وكان يخرج إلى الجبل ويحتطب ويدخل المدينة ويبيعه . فدعا إلى حرب بني إسرائيل فأجابوه وكان مسكنهم في بيت المقدس ، وأقبل بختنصّر فيمن أجابه نحو بيت المقدس وقد اجتمع إليه بشر كثير ، فلمّا بلغ إرميا إقباله نحو بيت المقدس استقبله على حمار له ومعه الأمان الّذي كتبه له بختنصّر ، فلم يصل إليه إرميا من كثرة جنوده وأصحابه فصيّر الأمان على خشبة ورفعها ، فقال : من أنت ؟ فقال : أنا إرميا النبيّ الّذي بشّرتك بأنّك سيسلّطك اللّه على بني إسرائيل ، وهذا أمانك لي ، قال : أمّا أنت فقد أمنتك ، وأمّا أهل بيتك فإنّي أرمي من هاهنا إلى بيت المقدس ، فإن وصلت رميتي إلى بيت المقدس فلا أمان لهم عندي ، وإن لم تصل فهم آمنون ، وانتزع قوسه ورمى نحو بيت المقدس فحملت الريح النشّابة حتّى علقتها في بيت المقدس ! فقال : لا أمان لهم عندي . فلمّا وافى ، نظر إلى جبل من تراب وسط المدينة ، وإذا دم يغلي وسطه ، كلّما ألقي إليه التراب خرج وهو يغلي . فقال : ما هذا ؟ فقالوا : هذا دم نبيّ كان للّه فقتله ملوك بني إسرائيل ودمه يغلي ، وكلّما ألقينا عليه التراب خرج يغلي ! فقال
--> ( 1 ) أي أخذته الكبرياء وتاه في هواجسه .