الشيخ محمد هادي معرفة

274

التفسير الأثرى الجامع

الحقيقة هو من أفعال القلوب إذا فعل لوجه وجوبه ، فأمّا ما يكره عليه من إظهار الشهادتين فليس بدين حقيقة ، كما أنّ من أكره على كلمة الكفر لم يكن كافرا . والمراد : الدين المعروف وهو الإسلام ودين اللّه الّذي ارتضاه . . . « 1 » . قال الأستاذ محمّد عبده : كان معهودا عن بعض الملل - لا سيّما النصارى - حمل الناس على الدخول في دينهم بالإكراه « 2 » . وهذه ألصق بالسياسة منها بالدين ! لأنّ الإيمان هو أصل الدين ، وجوهره عبارة عن إذعان النفس ، ويستحيل أن يكون الإذعان بالإلزام والإكراه ، وإنّما يكون بالبيان والبرهان ، ولذلك قال تعالى - بعد نفي الإكراه - : قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ أي قد ظهر أنّ في هذا الدين الرشد والهدى والفلاح والسير في الجادّة على نور ، وأنّ ما خالفه من الملل والنحل ، على غيّ وضلال « 3 » . وقال سيّدنا العلّامة الطباطبائي : هذه الآية تنفي أن يكون الدين إجباريّا ، ذلك أنّ الدين عبارة عن سلسلة من معارف علميّة ، تتبعها سلسلة من الأعمال الخارجيّة . ويجمعها : اعتقادات ، والاعتقادات والإيمان من الأمور القلبيّة الّتي لا يحكم فيها الإكراه والإجبار ، فإنّ الإكراه إنّما يؤثّر في الأعمال الظاهريّة والأفعال والحركات البدنيّة المادّيّة ، وأمّا الاعتقاد القلبي فله علل وأسباب أخرى قلبيّة من سنخ الاعتقاد والإدراك . ومن المحال أن ينتج الجهل علما ، أو تولّد المقدّمات غير العلميّة تصديقا علميّا . فقوله تعالى : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ . . . . إن كانت قضيّة إخباريّة حاكية عن حال التكوين ، أنتج

--> ( 1 ) مجمع البيان 2 : 163 . ( 2 ) كانت المسيحيّة - آخر الديانات قبل الإسلام - قد فرضت فرضا بالحديد والنار ووسائل التعذيب والقمع الّتي زاولتها الدولة الرومانيّة ، بمجرّد دخول الإمبراطور قسطنطين في المسيحيّة ، بنفس الوحشة والقسوة الّتي زاولتها الدولة الرومانيّة من قبل ضدّ المسيحيّين القلائل من رعاياها الّذين اعتنقوا المسيحيّة اقتناعا وحبّا ! ولم تقتصر وسائل القمع والقهر على الّذين لم يدخلوا في المسيحيّة ، بل إنّها ظلّت تتناول في ضراوة المسيحيّين أنفسهم الّذين لم يدخلوا في مذهب الدولة ، وخالفوها في بعض الاعتقاد بطبيعة المسيح ! فقد جاء الإسلام عقب ذلك ، جاء ليعلن - في أوّل ما يعلن - هذا المبدأ العظيم الكبير : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ . فيا له من مبدأ فخيم . ( في ظلال القرآن 1 : 425 ) . ( 3 ) المنار 3 : 37 .