الشيخ محمد هادي معرفة
236
التفسير الأثرى الجامع
كأن يكون رسول قبيلة أو رسول أمّة أو رسول جيل أو رسول الأمم كافّة في جميع الأجيال . كذلك يتعلّق بالمزايا الّتي يوهبها لشخصه أو لأمّته . كما يتعلّق بطبيعة الرسالة ومدى شمولها لجوانب الحياة الإنسانيّة والكونيّة . وقد ذكر النصّ هنا مثالين في موسى وعيسى عليهما السّلام وأشار إشارة عامّة إلى من سواهم : مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ . وحين يذكر تكليم اللّه لأحد من الرسل ينصرف الذهن إلى نبيّ اللّه موسى عليه السّلام وقد خصّه اللّه بهذا الشرف وهو شرف الحضور والمواجهة لدى المولى تعالى ، ومن ثمّ لم يذكره باسمه . وذكر عيسى بن مريم عليه السّلام منسوبا إلى أمّه الصدّيقة عليها السّلام في أغلب مواضع القرآن . والحكمة في هذا واضحة ؛ فقد نزل القرآن وهناك حشد من الأساطير الشائعة حول المسيح وبنوّته للّه - سبحانه وتعالى - أو عن ازدواج طبيعته من اللّاهوت والناسوت ، أو عن تفرّده بطبيعة إلهيّة ذابت فيها الطبيعة الناسوتيّة كالقطرة في الكأس ! إلى آخر تلكم التصوّرات الأسطوريّة الّتي غرقت الكنائس والمجامع في الجدل حولها ، وجرت حولها الدماء أنهارا في الدولة الرومانيّة ! ومن ثمّ كان هذا التوكيد الدائم على بشريّة عيسى عليه السّلام وأنّه وليد أنثى . أمّا روح القدس ، فالقرآن يعني به جبرئيل عليه السّلام « 1 » فهو حامل الوحي إلى الرسل ، وهذا أعظم تأييد وأكبره ، وهو الّذي ينقل الإشارة الإلهيّة إلى الرسل بانتدابهم لهذا الدور الفذّ العظيم ، وهو الّذي يثبّتهم على المضيّ في الطريق الشاقّ الطويل ، وهو الّذي يتنزّل عليهم بالسكينة والتثبيت والنصر في مواقع الهول والشدّة في ثنايا الطريق . هذا كلّه التأييد ، أمّا البيّنات الّتي آتاها اللّه عيسى عليه السّلام فتشمل الإنجيل الّذي نزّله عليه ، كما تشمل الخوارق الّتي أجراها على يديه ، والّتي ورد ذكرها مفصّلة في مواضعها المناسبة من القرآن ، تصديقا لرسالته في مواجهته بني إسرائيل المعاندين ! ولم يذكر النصّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لأنّ الخطاب موجّه إليه . كما جاء في الآية السابقة في السياق :
--> ( 1 ) وبه وردت الروايات عن السلف . راجع : البخاري 5 : 222 ، كتاب التفسير ، سورة النحل ؛ عبد الرزّاق ( 1 : 361 ) عن معمر عن قتادة ؛ القمّي 1 : 39 ، سورة النحل : 102 ؛ برواية أبي جارود ، تفسير الإمام : 371 / 260 ؛ البحار 9 : 320 ، و 17 : 206 ؛ التبيان 2 : 304 ، و 4 : 55 ، عن الحسن .