الشيخ محمد هادي معرفة

219

التفسير الأثرى الجامع

والّذين آمنوا معه فنظروا إلى جالوت ، رجعوا أيضا وقالوا : لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ ، فرجع عنه أيضا ثلاثة آلاف وستّمائة وبضعة وثمانون ، وخلص في ثلاثمائة وبضعة عشر ، عدّة أهل بدر . [ 2 / 7329 ] وعن ابن عبّاس ، قال : لمّا جاوزه هو والّذين آمنوا معه ، قال الّذين شربوا : لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ « 1 » . قال ابن جرير : وأولى القولين في ذلك بالصواب ، ما روي عن ابن عبّاس وقاله السدّي ، وهو : أنّه جاوز النهر مع طالوت ، الّذي لم يشرب من النهر إلّا الغرفة والّذي شرب منه الكثير . ثمّ وقع التمييز بينهم بعد ذلك برؤية جالوت ولقائه ، وانخذل عنه ضعاف الإيمان ، وهم الّذين قالوا : لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ ، ومضى أهل البصيرة بأمر اللّه على بصائرهم ، وهم أهل الثبات على الإيمان ، فقالوا : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ . فإن ظنّ ظانّ أنّه غير جائز أن يكون جاوز النهر مع طالوت غير أهل الإيمان الّذين ثبتوا معه على إيمانهم ولم يشربوا من النهر إلّا الغرفة ، لأنّ اللّه تعالى قال : فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ فكان معلوما أنّه لم يجاوز معه إلّا أهل الإيمان ، على ما روي به الخبر عن البراء بن عازب ، ولأنّ أهل الكفر لو كانوا جاوزوا النهر كما جاوزه أهل الإيمان ، لما خصّ اللّه بالذكر في ذلك أهل الإيمان ! فإنّ الأمر في ذلك بخلاف ما ظنّ ، وذلك أنّه غير مستنكر أن يكون الفريقان جاوزوا النهر ، وأخبر اللّه نبيّه محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن المؤمنين بالمجاوزة ، لأنّهم كانوا من الّذين جاوزوه مع ملكهم ، وترك ذكر من عداهم ، وإن كانوا قد جاوزوا النهر مع المؤمنين ! والّذي يدلّ على صحّة ما قلنا في ذلك ، قول اللّه تعالى ذكره : فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ فأوجب اللّه - تعالى ذكره - أنّ الّذين يظنّون أنّهم ملاقوا اللّه هم الّذين قالوا عند مجاورة النهر : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ دون غيرهم ، وأنّ الّذين لا يظنّون أنّهم ملاقوا اللّه هم الّذين قالوا : لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ وغير جائز أن يضاف الإيمان إلى من جحد أنّه ملاقي اللّه أو شكّ فيه « 2 » .

--> ( 1 ) المصدر . ( 2 ) الطبري 2 : 840 - 841 .