الشيخ محمد هادي معرفة
209
التفسير الأثرى الجامع
وبنيه الثلاثة ، وأصبح داود - بعد حين - ملكا على إسرائيل وأتاه اللّه الحكم والنبوّة وفصل الخطاب « 1 » . وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ ممّا يمسّ شؤون النبوّة وسياسة البلاد . قوله تعالى : وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ذيّلت هذه الآية الرهيبة ، كلّ الوقائع العجيبة الّتي أشارت إليها الآيات السالفة ، لتدفع عن السامع المتبصّر ما يخامره من تطلّب الحكمة في حدثان هذه الوقائع وأمثالها في هذه الحياة ، وليكون مضمون هذه الآية عبرة من عبر الزمان وحكمة من حكم التاريخ ، لا تزال الحوادث تتفاعل مع بعضها البعض ، وليكون الغلب في نهاية المطاف مع الحقيقة الناصعة - والّتي هي صلاح العباد وقوام البلاد - وفق مشيئة اللّه تعالى في تسيير هذه الحياة . ومن هنا نرى أنّ أعيان الأشخاص والأحداث تتوارى في طيّ الزمان ، كي تبرز من خلالها ومن خلال النصّ القصير ، حكمة اللّه العليا في الأرض ، من اصطراع القوى وتنافس الطاقات ، وانطلاق السعي في تيّار الحياة المتدفّق الصاخب الموّار ! وهنا تنكشف على مدّ البصر ساحة الحياة المترامية الأطراف تموج بالناس ، في تدافع وتسابق وزحام إلى الغايات ، ومن ورائها جميعا تلك اليد الحكيمة المدبّرة ، تمسك بالخيوط جميعا ، وتقود الموكب المتزاحم المتصارع المتسابق ، إلى الخير والصلاح والنماء ، في نهاية المطاف . نعم كانت الحياة كلّها تأسن وتتعفّن ، لولا دفع اللّه الناس بعضهم ببعض ، ولولا أنّ في طبيعة هذا التدافع ، لتنطلق الطاقات كلّها ؛ تتزاحم وتتغالب وتتدافع ، فتنفض عنها الكسل والخمول ، وتستجيش ما فيها من مكنونات مذخورة ، وتظلّ أبدا يقظة عاملة ، مستنبطة لذخائر الأرض ، مستخدمة قواها وأسرارها الدفينة .
--> ( 1 ) صموئيل الأوّل ، الأصحاح 17 و 18 ؛ صموئيل الثاني ، الأصحاح 1 و 2 .