الشيخ محمد هادي معرفة

199

التفسير الأثرى الجامع

هذه الآية تشير إلى قصّة عظيمة من تاريخ بني إسرائيل ، وفيها العبرة والعظة . القرآن يأتي بذكر الحوادث التاريخيّة لغرض العبرة بها ، ويختار لذلك ما هو من تاريخ أهل الشرائع ، حيث كان أقرب إلى الهدف الّذي جاء لأجله القرآن . هذه القصّة هي حادث انتقال نظام حكومة بني إسرائيل من الصبغة الشوريّة ، المعبّر عندهم بعصر القضاة ، إلى الصبغة الملكية ، المعبّر عنها بعصر الملوك . وذلك أنّه لمّا توفّي موسى عليه السّلام في حدود سنة 1380 قبل الميلاد ، خلّفه في الأمّة الإسرائيليّة يوشع بن نون ، الّذي عهد له موسى في آخر حياته بأن يخلفه . فلمّا صار أمر بني إسرائيل إلى يوشع جعل لأسباط بني إسرائيل حكّاما يسوسونهم ويقضون بينهم ، وسمّاهم القضاة . فكانوا في مدن متعدّدة ، وكان من أولئك الحكّام أنبياء ، وكان هناك أنبياء غير حكّام . وكان كلّ سبط من بني إسرائيل يسيرون على ما يظهر لهم ، وكان من قضاتهم وأنبيائهم « صموئيل بن ألقانة » من سبط أفرايم ، قاضيا لجميع بني إسرائيل ، وكان محبوبا عندهم . فلمّا شاخ وكبر وقعت حروب بين بني إسرائيل والفلسطينيّين وكانت سجالا بينهم ، ثمّ كان الانتصار للفلسطينيّين ، فأخذوا بعض قرى بني إسرائيل حتّى أنّ تابوت العهد - الّذي سيأتي الكلام عليه - استلبه الفلسطينيّون وذهبوا به إلى « أشدود » بلادهم وبقي بأيديهم عدّة أشهر . فلمّا رأت بنو إسرائيل ما حلّ بهم من الهزيمة ، ظنّوا أنّ سبب ذلك هو ضعف صموئيل عن تدبير أمورهم ، وظنّوا أنّ انتظام أمر الفلسطينيّين لم يكن إلّا بسبب النظام الملكي . وكانوا يومئذ يتوقّعون هجوم « ناحاش » ملك العمونيّين عليهم أيضا . فاجتمعت إسرائيل وأرسلوا عرفاءهم من كلّ مدينة ، وطلبوا من صموئيل أن يقيم لهم ملكا يقاتل بهم في سبيل اللّه . فاستاء صموئيل من ذلك وحذّرهم عواقب حكم الملوك ونصحهم : « إنّ الملك يأخذ بنيكم لخدمته وخدمة خيله ويتّخذ منكم من يركض أمام مراكبه ، ويسخر منكم حرّاثين لحرثه ، وعمله لعدد حربه وأدوات مركبه ، ويجعل بناتكم عطّارات وطبّاخات وخبّازات ، ويصطفي من حقولكم وكرومكم وزياتينكم ، أجودها فيعطيها لخصيانه وعبيده . ويأخذ عبيدكم وجواريكم وشبّانكم الحسان وحميركم ويستعملهم لشغله . ويعشّر غنمكم وأنتم تكونون له عبيدا ، فتصرخون في ذلك اليوم من وجه ملككم الّذي