الشيخ محمد هادي معرفة
184
التفسير الأثرى الجامع
لا مفرّ من الموت ، لما كان لنا مندوحة عن تفسير إحيائهم ، بأنّ الباقين منهم تناسلوا بعد ذلك وكثروا ، وكانت الأمّة بهم حيّة عزيزة ، ليصحّ أن تكون الآية تمهيدا لما بعدها ، مرتبطة به . واللّه تعالى لا يأمرنا بالقتال لأجل أن نقتل ثمّ يحيينا ، بمعنى أنّه يبعث من قتل منّا بعد موتهم في هذه الحياة الدنيا « 1 » . * * * ولم يرتض سيّدنا العلّامة الطباطبائي هذا التأويل ، وعدّه مسربا إلى إنكار المعجزات كما سبق في كلام الفخر الرازي . قال : وهذا الكلام كما ترى مبنيّ أوّلا على إنكار المعجزات وخوارق العادات أو بعضها ، كإحياء الموتى ، وقد مرّ إثباتها ! على أنّ ظهور القرآن في إثبات خرق العادة بإحياء الموتى ونحو ذلك ممّا لا يمكن إنكاره ، ولو لم يسع لنا إثبات صحّته من طريق العقل . وثانيا : مبنيّ على دعوى أنّ القرآن يدلّ على امتناع أكثر من حياة واحدة في الدنيا . في حين أنّ القرآن يذكر كثيرا من قصص الأنبياء وإحياء الموتى على أيديهم . وثالثا : على أنّ الآية لو كانت مسوقة لبيان القصّة لتعرّضت لتعيين القوم وشخص النبيّ ، في حين أنّ البلاغة قد تستدعي إهمال جوانب من الكلام ، لا فائدة في التعرّض لها . ورابعا : على أنّ الآية لو لم تحمل على التمثيل ، لم ينسجم سياق الآيات ، هذا مع العلم أنّ القرآن نزل نجوما وفي فترات ، وقد لا تكون هناك مناسبة - في الظاهر - بين آية وقريناتها . قال : فالحقّ أنّ الآية - كما هو ظاهرها - مسوقة لبيان قصّة ، لها واقع يستشهد بها ، ولا استشهاد بتمثيل لا يعدو تخييلا في واقعه « 2 » . قوله تعالى : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً سبق أنّها نزلت بشأن الإنفاق في سبيل اللّه والجهاد لإعلاء كلمة الإسلام . فكلّ ما ينفقه الباذل في سبيل اللّه ، فإنّه إقراض للّه ، ليعود عليه بأضعاف مضاعفة . وذلك على شريطة أنّ الباذل على حسن نيّة وعن طيب نفس ، وحينئذ فلا يخشى النفاد ، واللّه - سبحانه - هو الكافل لقسمة الأرزاق ،
--> ( 1 ) المنار 2 : 458 - 459 . ( 2 ) الميزان 2 : 294 - 295 .