الشيخ محمد هادي معرفة
163
التفسير الأثرى الجامع
واستدلّ أبو مسلم بوجوه : أحدها : أنّ النسخ خلاف الأصل فلا يصار إليه ما أمكن . الثاني : يجب تأخير الناسخ عن المنسوخ في النزول ، وعليه فمن المناسب تأخّر ثبتها في المصحف في الترتيب . أمّا تقدّم الناسخ على المنسوخ في الثبت ، فهو وإن كان جائزا في الجملة - وبتقرير من الرسول أحيانا - إلّا أنّه يعدّ من سوء الترتيب ، وتنزيه كلام اللّه عنه واجب بقدر الإمكان . فكان الأولى أن لا يحكم عليها بالنسخ ، إذ لا ضرورة تدعو إليه . الثالث : ثبت في الأصول : أنّه متى وقع التعارض بين النسخ والتخصيص كان التخصيص أولى . وبما أنّ هذا الوجه يخصّص الآية بصورة إيصاء الأزواج لهنّ ، كان أولى . قال الفخر الرازي : وعليه كان المصير إلى قول مجاهد أولى من التزام النسخ من غير ضرورة . وأمّا على قول أبي مسلم فالكلام أظهر ؛ لأنّ المشهور يقدّرون الآية : فعليهم وصيّة لأزواجهم أو فليوصوا وصيّة لهنّ ، ليكون حكما من اللّه فرضا على الأزواج عند حضور الوفاة . وأمّا أبو مسلم فيرى تقدير الآية : والّذين يتوفّون منكم ولهم وصيّة لأزواجهم ؛ أو وقد أوصوا وصيّة لأزواجهم ، فالوصيّة من الزوج نفسه . قال : وإذ كان لا بدّ من الإضمار والتقدير ، فليس إضمار المشهور أولى من إضمار أبي مسلم . هذا في حين استلزام إضمار المشهور القول بالنسخ ، دون إضمار أبي مسلم ، فكان أولى . قال : وعند هذا يشهد كلّ عقل سليم بأنّ إضمار أبي مسلم أولى من إضمار المشهور ، وأنّ الالتزام بالنسخ التزام له من غير دليل . هذا مع ما في قول المشهور من استلزام سوء الترتيب في المصحف الشريف ، الأمر الّذي يجب تنزيه كلام اللّه تعالى عنه . . قال : وهذا كلام واضح « 1 » . * * * قلت : والّذي يترجّح في النظر ، ويتوافق مع ظاهر تعبير القرآن ، هو قول مجاهد : إنّها توصية من اللّه بشأن المتوفّى عنهنّ أزواجهنّ ، وأنّ لها حقّ الاستمتاع بالبيوت - زيادة على عدّتهنّ أربعة أشهر وعشرا - تمام الحول ، إن شاءت تمتّعت بالبقاء وإن شاءت أعفته .
--> ( 1 ) التفسير الكبير 6 : 158 - 159 . وأورده السيّد رشيد رضا في تفسير المنار ( 2 : 448 - 449 ) والظاهر ارتضاؤه له .