الشيخ محمد هادي معرفة
74
التفسير الأثرى الجامع
إسرائيل : إذا فرّج اللّه عنكم وأهلك أعداءكم أتيتكم بكتاب من ربّكم يشتمل على أوامره ونواهيه ومواعظه وعبره وأمثاله ، فلمّا فرّج اللّه عنهم أمر اللّه - عزّ وجلّ - أن يأتي للميعاد ويصوم ثلاثين يوما عند أصل الجبل ، وظنّ موسى أنّه بعد ذلك يعطيه الكتاب ، فصام موسى ثلاثين يوما ، فلمّا كان في آخر الأيّام استاك قبل الفطر ، فأوحى اللّه - عزّ وجلّ - إليه : يا موسى أما علمت أنّ خلوف « 1 » فم الصائم أطيب عندي من رائحة المسك ؟ صم عشرا آخر ولا تستك عند الإفطار ، ففعل ذلك موسى عليه السّلام ، وكان وعد اللّه أن يعطيه الكتاب بعد أربعين ليلة ، فأعطاه إيّاه . فجاء السامريّ ، فشبّه على مستضعفي بني إسرائيل وقال : وعدكم موسى أن يرجع إليكم بعد أربعين ليلة ، وهذه عشرون ليلة وعشرون يوما تمّت أربعون ، أخطأ موسى ربّه وقد أتاكم ربّكم أراد أن يريكم أنّه قادر على أن يدعوكم إلى نفسه بنفسه ، وأنّه لم يبعث موسى لحاجة منه إليه ، فأظهر لهم العجل الذي كان عمله ، فقالوا له : كيف يكون العجل إلها ؟ قال لهم : إنّما هذا العجل مكلّمكم منه ربّكم كما كلّم موسى من الشجرة ، فالإله في العجل كما كان في الشجرة ، فضلّوا بذلك وأضلّوا . فقال موسى عليه السّلام : يا أيّها العجل أكان فيك ربّنا كما يزعم هؤلاء ؟ فنطق العجل وقال : عزّ ربّنا عن أن يكون العجل حاويا له أو شيء من الشجر والأمكنة عليه مشتملا ولا له حاويا لا واللّه يا موسى ، ولكن السامريّ نصب عجلا مؤخّره إلى الحائط وحفر في الجانب الآخر في الأرض وأجلس فيه بعض مردته ، فهو الذي وضع فاه على دبره وتكلّم لمّا قال : هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى « 2 » . « 3 » . وهذا الحديث يزيد في غرابته نكارة محتواه : كيف يكون الاستياك - وهو عمل مندوب إليه - مستكرها يوجب عتاب فاعله واستحقاق التشديد عليه بالتكليف . ثمّ فيه إغراء بالجهلة أن لا يستاكوا عند الإفطار ، حيث قوله : « أما علمت أنّ خلوف فم الصائم أطيب ؟ ! » فقد كان موسى يعلم ذلك لكنّه تناساه ! ! . اللّهمّ ان هذا إلّا اختلاق ! [ 2 / 1832 ] وهكذا ما رواه ابن جرير عن السدّي : لمّا أمر اللّه موسى أن يخرج ببني إسرائيل - يعني من أرض مصر - أمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا وأمرهم أن يستعيروا الحليّ من القبط ! فلمّا نجّى اللّه موسى ومن معه من بني إسرائيل من البحر ، وغرق آل فرعون ، أتى جبريل إلى موسى
--> ( 1 ) خلوف فم الصائم : رائحته الكريهة . ( 2 ) طه 20 : 88 . ( 3 ) تفسير الإمام : 247 - 252 / 122 .