الشيخ محمد هادي معرفة
497
التفسير الأثرى الجامع
ومن ثمّ فكلام الإمام السرخسي بهذا الصدد يبدو متناقضا . ثالثا : أسلفنا أنّ الزيادات في كلام السلف ولا سيّما مثل ابن مسعود ، إنّما كانت زيادات تفسيريّة لا عن قصد أنّها من نصّ الوحي ، وربّما اعتمدها بعض الفقهاء اعتبارا بفهم صحابيّ كبير ، لا بنقله ، كما وهمه هذا الإمام ! رابعا : يقول تعالى : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها « 1 » ولا نسخ فيما لا يكون هناك ناسخ . وهكذا لا نسخ في غير الأحكام حسبما مرّت عليك من شرائط النسخ « 2 » . إذن فلنتساءل : ما ذا يكون الناسخ هنا ؟ وكيف ينسخ لفظ الآية ويبقى حكمها مع الأبد ؟ وأيّ فائدة في نسخ اللفظ حينذاك وهو سند الحكم الذي يجب بقاؤه ما دام الحكم باقيا ؟ وهذا عمدة الإشكال على هذه المزعومة وسيأتي مزيد توضيح لهذا الاعتراض . * * * وقال ابن حزم الأندلسي - بعد تسلّمه لصحّة ما زعمه آية الرجم وأنّها سقطت فيما سقطت من سورة الأحزاب التي كانت تعدل سورة البقرة أو أطول منها - : ولكنّها نسخ لفظها وبقي حكمها ! قال : وقد توهّم قوم أنّ سقوط آية الرجم إنّما كان لغير هذا ، وظنّوا أنّها تلفت بغير نسخ . لما روي عن عائشة قالت : لقد نزلت آية الرجم والرضاعة فكانتا في صحيفة تحت سريري ، فلمّا مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تشاغلنا بموته فدخل داجن فأكلها ! قال : وهذا حديث صحيح وليس على ما ظنّوا ، لأنّ آية الرجم إذ نزلت حفظت وعرفت وعمل بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، إلّا أنّه لم يكتبها نسّاخ القرآن في المصاحف ولا أثبتوا لفظها في القرآن ، وقد سأله ( أي زيدا ) عمر بن الخطّاب ذلك فلم يجبه . فصحّ نسخ لفظها وبقيت الصحيفة التي كتبت فيها كما قالت عائشة فأكلها الداجن ولا حاجة بأحد إليها . قال : فصحّ أنّ الآيات التي ذهبت ، لو أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بتبليغها لبلّغها ، ولو بلّغها لحفظت وما ضرّها موته ، كما لم يضرّ موته كلّ ما بلّغ من القرآن . وإن كان لم يبلّغ أو بلّغه فأنساه هو والناس أو لم
--> ( 1 ) البقرة 2 : 106 . ( 2 ) في الجزء الثاني من التمهيد : 263 فما بعد .