الشيخ محمد هادي معرفة
493
التفسير الأثرى الجامع
قال : وأمّا نسخ التلاوة مع بقاء الحكم ، فبيانه فيما قال علماؤنا : أنّ صوم كفّارة اليمين ثلاثة أيّام متتابعة ، بقراءة ابن مسعود : « فصيام ثلاثة أيّام متتابعات » . وقد كانت هذه قراءة مشهورة إلى زمن أبي حنيفة ، ولكن لم يوجد فيها النقل المتواتر الذي يثبت بمثله القرآن ، وابن مسعود لا يشكّ في عدالته وإتقانه ، فلا وجه لذلك إلّا أن نقول : كان ذلك ممّا يتلى في القرآن - كما حفظه ابن مسعود - ثمّ انتسخت تلاوته في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بصرف القلوب عن حفظها إلّا قلب ابن مسعود ، ليكون الحكم باقيا بنقله ، فإنّ خبر الواحد موجب للعمل به ، وقراءته لا تكون دون روايته ، فكان بقاء هذا الحكم بعد نسخ التلاوة بهذا الطريق . « 1 » قلت : غير خفيّ وهن هذا الاستدلال وضعف هذا التأويل ! * * * وفيما يلي عرض لها أسهبه ابن حزم الأندلسي بهذا الشأن وهو الإمام المحقّق صاحب مذهب واختيار ، ومن ثمّ فإنّ ذلك منه غريب جدّا . قال : فأمّا قول من لا يرى الرجم أصلا فقول مرغوب عنه ، لأنّه خلاف الثابت عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقد كان نزل به قرآن ، ولكنّه نسخ لفظه وبقي حكمه . ثمّ يروي عن سفيان عن عاصم عن زرّ : [ 2 / 2943 ] قال : قال لي أبيّ بن كعب : كم تعدّون سورة الأحزاب ؟ قلت : إمّا ثلاثا وسبعين آية أو أربعا وسبعين آية ! قال : إن كانت لتقارن سورة البقرة ، أو لهي أطول منها ، وإن كان فيها لآية الرجم ! قلت : أبا المنذر ، وما آية الرجم ؟ قال : « إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتّة نكالا من اللّه واللّه عزيز حكيم » . قال : هذا إسناد صحيح كالشمس لا مغمز فيه . ثمّ روى بطريق آخر عن منصور عن عاصم عن زرّ ، وقال : فهذا سفيان الثوري ومنصور شهدا على عاصم ، وما كذبا ، فهما الثّقتان الإمامان البدران ، وما كذب عاصم على زرّ ، ولا كذب زرّ على أبيّ . قال : ولكنّها نسخ لفظها وبقي حكمها ، ولو لم ينسخ لفظها لأقرأها أبيّ بن كعب زرّا بلا شكّ ،
--> ( 1 ) أصول السرخسي 2 : 81 .