الشيخ محمد هادي معرفة
450
التفسير الأثرى الجامع
قال ابن عاشور : ولعلّ إسناد هذا التقديس للكواكب ، ناشئ عن اعتقادهم أنّهم كانوا من الصالحين المقدّسين وأنّهم بعد موتهم رفعوا للسماء في صورة الكواكب ، فيكون هاروكا وماروداخ قد كانا من قدماء علمائهم وصالحيهم والحاكمين في البلاد وهما اللذان وضعا السحر . قال : ولعلّ هذا وجه التعبير عنهما في القصّة بالملكين - بفتح اللام - ! قال : ولأهل القصص هنا قصّة خرافيّة من موضوعات اليهود في خرافاتهم الحديثة . اعتاد بعض المفسّرين ذكرها وأشار المحقّقون إلى كذبها وأنّها من مرويّات كعب الأحبار ، وقد وهم بعض المتساهلين في الحديث فنسبوا روايتها عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أو بعض الصحابة بأسانيد واهية . « 1 » وعليه فقوله تعالى : وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ أي ما ألهما من غرائب العلوم ، والعلم برموز الدسائس المفرّقة ، ومعرفة طرائق حلّها وإبطالها . والتعبير بالملكين حكاية عن زعم زعمته اليهود بشأنهما كما زعمت أنّ ما كانت تتلو الشياطين على ملك سليمان أنّه كان بمرأى ومسمع منه وعن رضاه . فاللّه تبارك وتعالى يحكي هذه المزاعم ليفنّدها ولا يتسلّم لها . * * * وقوله : وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ جملة حاليّة من هاروت وماروت . وما نافية . والتعبير بالمضارع لحكاية الحال ، إشارة إلى أنّ قولهما لمتعلّمي رموز السحر : إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ ؛ قول مقارن لوقت التعليم لا متأخّر عنه . والفتنة : لفظ يجمع معنى مرج واضطراب حال وتشتّت بال ، بإحساس الخوف والخطر على الأنفس والأموال ومنها فتنة المال وفتنة الدين . ولمّا كانت هذه الحالة يختلف ثبات الناس فيها ، كان من لوازمها الابتلاء والاختبار . فكان ذلك من المعاني التي يكنّى بالفتنة عنها كثيرا . وإخبار الملكين عن أنفسهما بأنّهما فتنة ، إخبار بالمصدر للمبالغة ، وقد أكّدت المبالغة بالحصر الإضافي . والمقصد من ذلك : أنّهما كانا يصرّحان بأنّ في علمهما الذي يعلّمان الناس ، جانبا خطيرا
--> ( 1 ) راجع : التحرير والتنوير 1 : 624 .