الشيخ محمد هادي معرفة

435

التفسير الأثرى الجامع

وماروت ، من أنواع العلوم الغريبة ومنها السحر والشعوذة . قيل : كانا رجلين صالحين من كبار رجال العلم في تلك البلاد ، شبّها بالملائكة لمكان ترفّعهما عن رذائل الحياة ولتوفّر ما لديهما من العلوم والمعارف . وقرئ بكسر اللام ، تشبيها بذوي السلطة والاقتدار في الهيمنة والوقار . لكنّها معاذير فارغة ، وأنّ الملكين كانا موضع فتنة واختبار للناس ، فليقتبسوا من علومهم النافع منها دون الضارّ وهكذا كانا يذكّران الناس : أنّ في علومهم ما ينتفعون به وما هو ضارّ لمن لم يكن من أهله فليحذر الّذين في قلوبهم زيغ أن يستخدموا العلم في سبيل الإفساد في الأرض فذلك كفر باللّه العظيم ، وكفران لنعمه الجسام . ولكن هناك من غلبته الرغبة إلى الشرّ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ من دسائس ومكائد خدّاعة . وهنا يبادر القرآن فيقرّر كلّيّة التصوّر الإسلامي الأساسيّة ، وهي : إنّه لا يقع شيء في هذا الوجود إلّا بإذن اللّه « لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه » . فبإذن اللّه تفعل الأسباب فعلها وتنشئ آثارها وتحقّق نتائجها . وهذه قاعدة كلّيّة في التصوّر الإسلامي ، لا بدّ من وضوحها في ضمير المؤمن تماما . قال سيد قطب : وأقرب ما يمثّل هذه القاعدة في مثل هذا المقام ، أنّك إذا عرضت يدك للنّار فإنّها تحترق . ولكن هذا الاحتراق لا يكون إلّا بإذن اللّه . فاللّه هو الذي أودع النار خاصّيّة الحرق ، وأودع يدك خاصّيّة الاحتراق بها ، وهو قادر على أن يوقف هذه الخاصّيّة حين لا يأذن ، لحكمة خاصّة يريدها ، كما وقع لإبراهيم عليه السّلام . وكذلك هذا السحر الذي يفرّقون به بين المرء وزوجه ، ينشئ هذا الأثر بإذن اللّه ، وهو قادر على أن يوقف هذه الخاصّيّة فيه ، حين لا يأذن لحكمة خاصّة يريدها وهكذا بقيّة ما نتعارف عليه بأنّها مؤثّرات وآثار . كلّ مؤثّر مودع خاصّيّة التأثير بإذن اللّه ، فهو يعمل بهذا الإذن ، ويمكن أن يوقف مفعوله كما أعطاه هذا المفعول حين يشاء . « 1 »

--> ( 1 ) في ظلال القرآن 1 : 129 - 130 .