الشيخ محمد هادي معرفة

307

التفسير الأثرى الجامع

حتّى عقلوا ما سمعوا ، ثمّ انصرف بهم إلى بني إسرائيل ، فلمّا جاءوهم حرّف فريق منهم ما أمرهم به ، وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل : إنّ اللّه قد أمركم بكذا وكذا ، قال ذلك الفريق الذي ذكرهم اللّه : إنّما قال كذا وكذا خلافا لما قال اللّه - عزّ وجلّ - لهم . فهم الّذين عنى اللّه لرسوله محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « 1 » . * * * ولكن قال أبو عبد اللّه القرطبي : هذا قول الربيع وابن إسحاق ، وفي هذا القول ضعف . ومن قال : إنّ السبعين سمعوا ما سمع موسى فقد أخطأ وأذهب بفضيلة موسى واختصاصه بالتكليم . وقد قال السّدّي وغيره : لم يطيقوا سماعه ، واختلطت أذهانهم ورغبوا أن يكون موسى يسمع ويعيده لهم ، فلمّا فرغوا وخرجوا بدّلت طائفة منهم ما سمعت من كلام اللّه على لسان نبيّهم موسى عليه السّلام ، كما قال تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ « 2 » ! فإن قيل : [ 2 / 2432 ] فقد روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس أنّ قوم موسى سألوه أن يسأل ربّه أن يسمعهم كلامه ، فسمعوا صوتا كصوت الشّبّور « 3 » : « إنّي أنا اللّه لا إله إلّا أنا الحيّ القيّوم ، أخرجتكم من مصر بيد رفيعة وذراع شديد » ! قلت : هذا حديث باطل لا يصحّ ، روي بسند ضعيف ، وإنّما الكلام شيء خصّ به موسى من بين جميع ولد آدم . فإن كان اللّه قد كلّم قومه أيضا حتّى أسمعهم كلامه ، فما فضل موسى عليهم ؟ ! وقد قال تعالى - وقوله الحقّ - : إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي « 4 » . وهذا واضح « 5 » . [ 2 / 2433 ] وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله : أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ . . . الآية . قال : فالذين يحرّفونه والّذين يكتمونه هم العلماء منهم ، والّذين نبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم

--> ( 1 ) الطبري 1 : 520 / 1102 ؛ ابن أبي حاتم 1 : 148 / 772 ؛ ابن كثير 1 : 119 . ( 2 ) التوبة 9 : 6 . ( 3 ) على وزان التنّور : البوق . ولعلّه معرّب « شيپور » الفارسيّة . ( 4 ) الأعراف 7 : 144 . ( 5 ) القرطبي 2 : 2 .