الشيخ محمد هادي معرفة
28
التفسير الأثرى الجامع
وقد صحّ عن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه خبأ شفاعته للمذنبين من أمّته ، « 1 » أي شفاعته الكبرى الشاملة . ادّخرها للأمّة لذلك اليوم الرهيب . الأمر الذي وعده اللّه تعالى في كتابه العزيز بقوله : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى « 2 » . اتّفقت الروايات عن الأئمّة على أنّها الشفاعة « 3 » . والروايات بهذا الشأن كثيرة جدّا كثرة تفوق حدّ التواتر ، وقبل أن نخوض البحث ينبغي تحديد مسألة الشفاعة - المقبولة شرعيّا - فلا يعلوها كدر الأوهام . تعريف بالشفاعة الشفاعة - كما نبّهنا عليه - هي مقارنة عمل أو دعاء بما يوجب كماله المستدعي لسرعة الإجابة أو القبول . فلو لا أنّ المستشفع يقدّم بعمل صالح أو يقوم بابتهال ضارع إلى اللّه ، ويجعله مقترنا بزمان شريف أو مكان شريف أو بدعاء إنسان شريف ، لم تتصادق هناك شفاعة ولا استشفاع . فالذي يرجو شفاعة الأولياء في غفران ذنوبه ، من غير أن يمهّد لذلك أسبابه ولا شرائطه المؤاتية له ، لا تصدق بشأنه الشفاعة ولا هو مستشفع البتّة . وإنّما هو يهدف عبثا ولم يرم مرماه . * * * وعليه فلا موضع للإشكال بأنّ مسألة الشفاعة ممّا يبعث أهل الذنوب على التجرّي بارتكاب المزيد من الآثام ، رجاء أن تشملهم الشفاعة الموعود بها . . وما هذا إلّا إغراء بالمعاصي . غير أنّ هذا الإشكال غير وارد ، بعد اختصاص الشفاعة بالآئبين التائبين والمستغفرين بالأسحار ، وقد ندموا على ما فرط منهم من ذنوب وآثام كانوا ألمّوا بها إلماما ، وعلى خلاف دءوبهم على الطاعة والاستسلام للّه تعالى . وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ « 4 » .
--> ( 1 ) حديث متّفق عليه . قال الطبرسي : تلقّته الأمّة بالقبول . مجمع البيان 1 : 201 . وذكرته عامّة الصحاح . راجع : مسند أحمد 1 : 281 . ( 2 ) الضحى 93 : 5 . ( 3 ) راجع : تفسير الآلوسي 30 : 160 . ( 4 ) آل عمران 3 : 135 .