الشيخ محمد هادي معرفة

237

التفسير الأثرى الجامع

ولعلّ في هذه المباغتة المفاجئة حكمة إلهيّة بالغة ، ليريهم من آيات كونيّة موجّهة لضمير الإنسان إلى جانب ضعف مقدرته تجاه إرادة اللّه القادر الحكيم . وهذا من قبيل إراءة المعاجز على أيدي الأنبياء إيقاظا للضمير وليس إكراها على التسليم . هذا ما دلّت عليه الآية الكريمة ودعمته التوراة بنصّها الصريح . أمّا اقتلاع الجبل من أصله ورفعه في السماء برمّته فوق رؤوس القوم وكان معسكرهم فرسخا في فرسخ بما اضطروا إلى الاستسلام خوف الدمار والاستئصال - كما جاء في بعض التفاسير « 1 » - فلا شاهد له في القرآن ولا في أثر صحيح معتمد . . وإنّما هو شيء جاء في روايات إسرائيليّة عامّيّة اغترّ بها بعض الأوائل المشعوفين بأحاديث مسلمة اليهود . قال السيّد محمّد رشيد رضا : شايع الأستاذ الإمام ( الشيخ محمّد عبده ) المفسّرين على أنّ رفع الطور كان آية كونيّة ، أي انتزع من الأرض وصار معلّقا فوقهم في الهواء . وهذا هو المتبادر من الآية بمعونة السّياق ، وإن لم تكن ألفاظها نصّا فيه . وقال في وجه عدم نصّيّة الآية في ذلك : إنّ أصل النتق - في اللّغة - الزعزعة والزلزلة ، وأمّا الظلّة فكلّ ما أظلّك وأطلّ عليك سواء أكان فوق رأسك أم في جانبك مرتفعا له ظلّ . فيحتمل أنّهم كانوا بجانب الطور رأوه منتوقا أي مرتفعا مزعزعا ، فظنّوا أن سيقع بهم وينقضّ عليهم . ويجوز أنّ ذلك كان في أثر زلزال تزعزع له الجبل . قال : وإذا صحّ هذا التأويل لا يكون منكر ارتفاع الجبل في الهواء مكذّبا للقرآن ! « 2 » . قال الأستاذ النجّار : قد يكون جزء عظيم من الجبل اقتلع من مكانه أثناء رجفة أو زلزال ، رأوه بأعينهم وهم في أسفل الجبل كأنّه ظلّة ، وخافوا وقوعه بهم . وذلك عند أخذ ميثاقهم على العمل بالتوراة « 3 » .

--> ( 1 ) ستأتي الرواية عن قتادة في قوله تعالى : وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ قال : انتزعه اللّه من أصله ثمّ جعله فوق رؤوسهم ثمّ قال : « لتأخذنّ أمري أو لأرمينّكم به . . . » . ( 2 ) المنار 1 : 242 - 243 . ( 3 ) قصص الأنبياء للأستاذ عبد الوهّاب النجّار : 231 .