الشيخ محمد هادي معرفة
202
التفسير الأثرى الجامع
قد كنت أحسبني كأغنى واحد * قدم المدينة عن زراعة فوم قال : يا ابن الأزرق ومن قرأها على قراءة ابن مسعود فهو هذا المنتن ، قال أميّة ابن أبي الصلت : كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة * فيها الفراديس والفومات والبصل وقال أميّة بن أبي الصلت أيضا : أنفى الدياس « 1 » من الفوم الصحيح كما * أنفي من الأرض صوب الوابل البرد « 2 » * * * وقال أبو جعفر في تأويل قوله تعالى : اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ : تأويل ذلك : فدعا موسى فاستجبنا له ، فقلنا لهم : اهبطوا مصرا . وهو من المحذوف الذي اجتزئ بدلالة ظاهره على ذكر ما حذف وترك منه . وقد دلّلنا فيما مضى على أنّ معنى الهبوط إلى المكان إنّما هو النزول إليه والحلول به . فتأويل الآية إذن : وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قال لهم موسى : أتستبدلون الذي هو أخسّ وأردأ من العيش بالذي هو خير منه ؟ فدعا لهم موسى ربّه أن يعطيهم ما سألوه ، فاستجاب اللّه له دعاءه ، فأعطاهم ما طلبوا ، وقال اللّه لهم : اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ . ثمّ اختلف القرّاء في قراءة قوله : مِصْراً فقرأه عامّة القرّاء : « مِصْراً » بتنوين مصر وإجرائه « 3 » ؛ وقرأه بعضهم بترك التنوين وحذف الألف منه . فأمّا الّذين نوّنوه وأجروه ، فإنّهم عنوا به مصرا من الأمصار لا مصرا بعينه ، فتأويله على قراءتهم : اهبطوا مصرا من الأمصار ، لأنّكم في البدو ، والذي طلبتم لا يكون في البوادي والفيافي ، وإنّما يكون في القرى والأمصار ، فإنّ لكم إذا هبطتموه ما سألتم من العيش . وقد يجوز أن يكون بعض من قرأ ذلك بالإجراء والتنوين ، كان تأويل الكلام عنده : اهبطوا مصرا البلدة التي تعرف بهذا الاسم وهي « مصر » التي خرجوا عنها ، غير أنّه أجراها ونوّنها اتّباعا منه خطّ المصحف ، لأنّ في المصحف ألفا ثابتة في مصر ، فيكون سبيل قراءته ذلك
--> ( 1 ) الدياس : ما يداس من سنابل الحبوب . ( 2 ) الدرّ 1 : 177 . ( 3 ) أي صرفه بالتنوين .