الشيخ محمد هادي معرفة
190
التفسير الأثرى الجامع
مع ذلك لكلّ عين من تلك العيون الاثنتي عشرة موضع من الحجر قد عرفه السبط الذي منه شربه ؛ فلذلك خصّ جلّ ثناؤه هؤلاء بالخبر عنهم أنّ كلّ أناس منهم كانوا عالمين بمشربهم دون غيرهم من الناس ، إذ كان غيرهم في الماء الذي لا يملكه أحد شركاء في منابعه ومسائله ، وكان كلّ سبط من هؤلاء مفردا بشرب منبع من منابع الحجر دون سائر منابعه خاصّ لهم دون سائر الأسباط غيرهم ، فلذلك خصّوا بالخبر عنهم أنّ كلّ أناس منهم قد علموا مشربهم « 1 » . * * * وقال في تأويل قوله تعالى : كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ : وهذا أيضا ممّا استغني بذكر ما هو ظاهر منه عن ذكره ما ترك ذكره . وذلك أنّ تأويل الكلام : فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، قد علم كلّ أناس مشربهم ، فقيل لهم : كلوا واشربوا من رزق اللّه ، أخبر اللّه جلّ ثناؤه أنّه أمرهم بأكل ما رزقهم في التيه من المنّ والسلوى ، وبشرب ما فجّر لهم فيه من الماء من الحجر المتعاور « 2 » الذي لا قرار له في الأرض ، ولا سبيل إليه إلّا لمالكيه ، يتدفّق بعيون الماء ويزخر بينابيع العذب الفرات بقدرة ذي الجلال والإكرام . ثمّ تقدم جلّ ذكره إليهم « 3 » مع إباحتهم ما أباح وإنعامه بما أنعم به عليهم من العيش الهنيء ، بالنهي عن السعي في الأرض فسادا ، والعثا فيها استكبارا ، فقال جلّ ثناؤه لهم : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ . ويعني بقوله : وَلا تَعْثَوْا لا تطغوا ، ولا تسعوا في الأرض مفسدين . كما : [ 2 / 2174 ] رواه الربيع ، عن أبي العالية : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ يقول : لا تسعوا في الأرض فسادا . [ 2 / 2175 ] وروى ابن وهب ، عن ابن زيد في قوله : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ . لا تعث : لا تطغ . [ 2 / 2176 ] وروى سعيد ، عن قتادة : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ : أي لا تسيروا في الأرض مفسدين .
--> ( 1 ) الطبري 1 : 437 - 439 . ( 2 ) المتعاور : الذي ينقل من يد إلى يد بالتبادل . ( 3 ) تقدّم إليهم : أمرهم .