الشيخ محمد هادي معرفة
18
التفسير الأثرى الجامع
قال أبو جعفر : وأصل الجزاء في كلام العرب : القضاء والتعويض ، يقال : جزيته قرضه ودينه أجزيه جزاء ، بمعنى : قضيته دينه ، ومن ذلك قيل : جزى اللّه فلانا عنّي خيرا أو شرّا ، بمعنى : أثابه عنّي وقضاه عنّي ما لزمني له بفعله الذي سلف منه إليّ . وقد قال قوم من أهل العلم بلغة العرب : يقال : أجزيت عنه كذا : إذا أعنته عليه ، وجزيت عنك فلانا : إذا كافأته . وقال آخرون منهم : بل جزيت عنك : قضيت عنك ، وأجزيت : كفيت . وقال آخرون منهم : بل هما بمعنى واحد ، يقال : جزت عنك شاة وأجزت ، وجزى عنك درهم وأجزى ، ولا تجزي عنك شاة ولا تجزي « 1 » بمعنى واحد ، إلّا أنهم ذكروا أنّ جزت عنك ولا تجزي عنك من لغة أهل الحجاز ، وأنّ أجزأ وتجزئ من لغة غيرهم . وزعموا أنّ تميما خاصّة من بين قبائل العرب تقول : أجزأت عنك شاة ، وهي تجزئ عنك . وزعم آخرون أنّ جزى بلا همز : قضى ، وأجزأ بالهمز : كافأ . فمعنى الكلام إذا : واتقوا يوما لا تقضي نفس عن نفس شيئا ولا تغني عنها غنى . فإن قال لنا قائل : وما معنى : لا تقضي نفس عن نفس ، ولا تغني عنها غنى ؟ قيل : هو أنّ أحدنا اليوم ربما قضى عن ولده أو والده أو ذي الصداقة والقرابة دينه ؛ وأمّا في الآخرة فإنّه فيما أتتنا به الأخبار عنها يسرّ الرجل أن يبرد له على ولده أو والده حقّ « 2 » ، وذلك أنّ قضاء الحقوق في القيامة من الحسنات والسيئات . كما : [ 2 / 1699 ] عن أبي هريرة ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « رحم اللّه عبدا كانت عنده لأخيه مظلمة في عرض أو مال فاستحلّه قبل أن يؤخذ وليس ثمّ دينار ولا درهم ، فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته ، وإن لم تكن له حسنات حمّلوه عليه من سيئاتهم » « 3 » . [ 2 / 1700 ] وعن ابن عبّاس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا يموتنّ أحدكم وعليه دين ، فإنّه ليس هناك دينار ولا درهم ، إنّما يقتسمون هنالك الحسنات والسيّئات » وأشار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بيده يمينا وشمالا .
--> ( 1 ) تجزي الأولى مفتوحة التاء ، والثانية مضمومة . أو بالعكس . ( 2 ) يقال : برد الحقّ عليه أو له ، إذا ثبت . ( 3 ) الترمذي 4 : 36 - 37 / 2534 ، وقال : هذا حديث حسن صحيح .