الشيخ محمد هادي معرفة

176

التفسير الأثرى الجامع

أتيناك والعذراء يدمي لبانها * وقد شغلت أمّ الصبيّ عن الطفل وألقى بكفّيه الصبيّ استكانة * من الجوع ضعفا ما يمرّ ولا يخلي ولا شيء ممّا يأكل الناس عندنا * سوى الحنظل العامّي والعلهز الفسل « 1 » وليس لنا إلّا إليك فرارنا * وأين فرار الناس إلّا إلى الرّسل فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يجرّ رداءه حتّى صعد المنبر ، ثمّ رفع يديه إلى السماء فقال : « اللهمّ اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا غدقا ، طبقا عاجلا غير رائث « 2 » ، نافعا غير ضارّ ، تملأ به الضرع وتنبت به الزرع ، وتحيي به الأرض بعد موتها ، وكذلك تخرجون » . قال : فو اللّه ما ردّ يديه إلى نحره حتّى ألقت السماء بأبراقها . فضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حتّى بدت نواجذه ثمّ قال : للّه درّ أبي طالب لو كان حيّا قرّت عيناه ، من ينشدنا قوله ؟ فقام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فقال : يا رسول اللّه كأنّك أردت : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل وهذا البيت من أبيات في قصيدة لأبي طالب رحمه اللّه ذكرها ابن إسحاق في السيرة بطولها وهي أكثر من تسعين بيتا « 3 » . قالها لمّا تمالأت قريش على النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ونفّروا عنه من يريد الإسلام . قال السهيلي : كيف قال أبو طالب : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ، ولم يره قطّ استسقى ، وإنّما كان استسقاءاته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالمدينة ، وفيها شوهد ما كان من سرعة إجابة اللّه له ؟ ! قال : فالجواب : أنّ أبا طالب قد شاهد من ذلك أيضا في حياة عبد المطّلب ما دلّه على ما قال . [ 2 / 2122 ] فقد روى أبو سليمان حمد بن محمّد بن إبراهيم البستي النيسابوري : أنّ رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم قالت : تتابعت على قريش سنو جدب قد أقحلت الظّلف « 4 » وأرقّت العظم ، فبينا أنا راقدة للهمّ أو

--> ( 1 ) الحنظل العامّي : الّذي مضى عليه عام ويبس . والعلهز ، وبركان يخلط بدماء الحلم ( وهي القردان تمصّ الدم من الجلد ) ثمّ يشوى بالنار . فكانت العرب تقتات به عند سنيّ المجاعة . والفسل : الهزيل الذي لا رواء له . ( 2 ) يقال : طبق يفعل الشيء : طفق وأخذ يفعل . ويقال : راث وتريّث : أبطأ . ( 3 ) أوردها ابن هشام في السيرة ( 1 : 291 - 299 ) أربعا وتسعين بيتا . ( 4 ) أي ذوات الظّلف . وأقحل الشيء : أيبسه .