الشيخ محمد هادي معرفة
163
التفسير الأثرى الجامع
قال أبو جعفر ، واختلف أهل العربيّة في المعنى الذي من أجله رفعت الحطّة ، فقال بعض نحويّي البصرة : رفعت الحطّة بمعنى قولوا ليكن منكم حطّة لذنوبنا ، كما تقول للرجل : سمعك . وقال آخرون منهم : هي كلمة أمرهم اللّه أن يقولوها مرفوعة ، وفرض عليهم قيلها كذلك . وقال بعض نحويّي الكوفيين : رفعت الحطّة بضمير « هذه » ، كأنّه قال : وقولوا هذه حطّة . وقال آخرون منهم : هي مرفوعة بضمير معناه الخبر ، كأنّه قال : قولوا ما هو حطّة ، فتكون حطّة حينئذ خبرا ل « ما » . والذي هو أقرب عندي في ذلك إلى الصواب وأشبه بظاهر الكتاب ، أن يكون رفع حطّة بنيّة خبر محذوف « 1 » قد دلّ عليه ظاهر التلاوة ، وهو : دخولنا الباب سجّدا حطّة ، فكفى من تكريره بهذا اللفظ ما دلّ عليه الظاهر من التنزيل ، وهو قوله : وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً كما قال - جلّ ثناؤه - : وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ « 2 » يعني موعظتنا إيّاهم معذرة إلى ربّكم . فكذلك عندي تأويل قوله : وَقُولُوا حِطَّةٌ يعني بذلك : وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ . . . وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا دخولنا ذلك سجّدا حِطَّةٌ لذنوبنا ، وهذا القول على نحو تأويل الربيع بن أنس وابن جريج وابن زيد الذي ذكرناه آنفا . وأمّا على تأويل قول عكرمة ، فإنّ الواجب أن تكون القراءة بالنصب في « حطّة » لأنّ القوم إن كانوا أمروا أن يقولوا : لا إله إلّا اللّه ، أو أن يقولوا : نستغفر اللّه ، فقد قيل لهم : قولوا هذا القول ، ف « قولوا » واقع حينئذ على الحطّة ، لأنّ الحطّة على قول عكرمة هي قول لا إله إلّا اللّه ، وإذ كانت هي قول لا إله إلّا اللّه ، فالقول عليها واقع ، كما لو أمر رجل رجلا بقول الخير ، فقال له : « قل خيرا » نصبا ، ولم يكن صوابا أن يقول له : « قل خير » إلّا على استكراه شديد . وفي إجماع القرّاء على رفع « حطّة » بيان واضح على خلاف الذي قاله عكرمة من التأويل في
--> ( 1 ) أي خبرا عن مبتدإ محذوف . ( 2 ) الأعراف 7 : 164 . وقراءتنا في مصاحفنا « مَعْذِرَةً » بالنصب . وأراد الطبري هنا « معذرة » بالرفع . وقد قال في تفسير الآية 164 من سورة الأعراف : قرأ ذلك عامّة قرّاء الحجاز والكوفة والبصرة « معذرة » بالرفع وقرأ ذلك بعض أهل الكوفة « مَعْذِرَةً » نصبا .