الشيخ محمد هادي معرفة
154
التفسير الأثرى الجامع
ويبدو أنّ القرية كانت قريبة « 1 » من مرتحلهم آنذاك ، وهم في برّيّة « فاران » حيث نزلوا بمدينة « قادش » مشرفين على أرض كنعان التي هي الأرض المقدّسة التي وعدها اللّه بني إسرائيل ، مذ خرجوا من مصر ، وقد مضت سنة وهم في غضون السنة الثانية من ترحالهم هذا . وعند ذاك جاء الأمر من عنده تعالى لموسى عليه السّلام : أن ابعث اثني عشر رجلا يتجسّسون أرض كنعان ويدخلون أولى وأزهر مدينة منها : حبرون ، الآهلة بالسكّان والعامرة بوفور النعم . فبعث موسى من كلّ قبيلة رجلا يتجسّسون الأخبار « 2 » وقال لهم : اصعدوا إلى الجبل ، وانظروا الأرض ما هي وما سكّانها وتأكّدوا من عددهم وعدّتهم ، وكذلك انظروا في ثمرات الأرض وبركاتها . . فصعدوا إلى الجبل وأتوا إلى حبرون وجمعوا الأخبار ورجعوا بعد أربعين يوما ، يحملون أخبارا عن ثمرات الأرض وعوائدها ، وشيئا من قوّة رجالها ومناعة حصونها ، الأمر الذي هابه القوم ، لولا أنّ كالبا ويوشع أخذا يخفّفان من هولهم ويثبتان من عزيمتهم على الاستقامة ، وأنّهم سوف يغلبونهم بحوله تعالى وقوّته . وقد وعدهم اللّه ذلك . أمّا البقيّة ( العشرة ) فجعلوا يبالغون في تهويل القوم والحديث عن مقدرة رجال المدينة الجبّارة وفيهم العمالقة بنو العناق ، ذوو الأجسام الضخام ، كما أخذوا يزهّدون القوم ويستقلّون من ثمرات الأرض وضحالة عوائدها ، بما كاد يثبّط من عزيمة القوم وتخوير قواهم . فتذمّر القوم وتندّموا عن مغادرة مصر ذات النعم الوفيرة ، وأخذوا يتمرّدون عن أوامر موسى ، فاحتار موسى في أمره وكاد يأخذه الغضب . وهنا نزل العذاب المفاجئ « 3 » بأولئك المثبّطين العشرة ، فماتوا لفورهم ، إذ كانوا قد بدّلوا القول ، فبدلا من أن يشجّعوا القوم ويرغّبوهم في القيام والجهاد ، وأنّ الظفر حليفهم ما داموا على الإيمان ،
--> ( 1 ) حيث الإشارة إليها ب « هذه » المفيدة للقرب . وقد كان بينهم وبينها ما يقرب من ستّين ميلا ، حيث كانوا نزلوا في مدينة قادش من برّيّة فاران . وبرّيّة فاران تقع في شرقيّ وادي سيناء بين برّيّة شور وبرّيّة سين . ومدينة قادش تقع في منتهى برّيّة فاران نحو الأرض المقدّسة ، بينها وبين أولى مدينة عامرة من أرض كنعان المقدّسة ما يقرب من ستّين ميلا . ( 2 ) جاءت أساميهم في سفر العدد ( 1 : 13 ) : يوشع ، كالب ، شموع ، شافاط ، يجال ، فلطي ، جدىئيل ، جدى ، عميئيل ، ستور ، نحبي ، جاوئيل . ( 3 ) جاء في سفر العدد 14 : 36 - 38 : أهلكهم الوباء ، وهو كلّ مرض متفشّ سريع الإهلاك .