الشيخ محمد هادي معرفة
150
التفسير الأثرى الجامع
قال وأمّا السلوى فهو الطير ، وذلك أنّ بني إسرائيل سألوا موسى اللحم ، وهم في التيه ، فسأل موسى ربّه - عزّ وجلّ - فقال اللّه : لأطعمنّهم أقلّ الطير لحما ، فبعث اللّه - سبحانه - السماء فأمطرت لهم السلوى وهي السّمانى ، وجمعتهم ريح الجنوب . وهي طير حمر تكون في طريق مصر ، فأمطرت قدر ميل في عرض الأرض ، وقدر رمح في السماء بعضه على بعض . فقال اللّه - عزّ وجلّ - لهم : كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ يعني من حلال . كقوله : فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً يعني حلالا طيّبا في غير مأثم وإذا وجدوا الماء فهو حرام ، فمن ثمّ قال : طيّبا يعني حلالا من ما رَزَقْناكُمْ من السلوى ، ولا تطغوا فيه يعني لا تعصوا اللّه في الرزق فيما رزقكم ولا ترفعوا منه لغد ، فرفعوا وقدّدوا مخافة أن ينفد ، ولو لم يفعلوا لدام لهم ذلك فقدّدوا منه ورفعوا ، فدوّد وتغيّر ما قدّدوا منه وما رفعوا فعصوا ربّهم ، فذلك قوله - سبحانه - : وَما ظَلَمُونا يعني وما ضرّونا يعني ما نقصونا من ملكنا بمعصيتهم شيئا حين رفعوا وقدّدوا منه في غد وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ يعني أنفسهم يضرّون « 1 » . [ 2 / 2053 ] وأخرج عبد الرزّاق عن معمر عن قتادة قال : كان المنّ ينزل عليهم مثل الثلج ، والسلوى طير كانت تحشوها عليهم ريح الجنوب « 2 » . [ 2 / 2054 ] وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله : وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ قال : هو السحاب الأبيض الذي لا ماء فيه ! « 3 » [ 2 / 2055 ] وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ . . . الآية . قال : كان هذا في البرّيّة ، ظلّل عليهم الغمام من الشمس ، وأطعمهم المنّ والسلوى حين برزوا إلى البرّيّة ، فكان المنّ يسقط عليهم في محلّتهم سقوط الثلج أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، فيأخذ الرجل قدر ما يكفيه يومه ذلك فإن تعدّى فسد وما يبقى عنده ، حتّى إذا كان يوم سادسه يوم جمعته ، أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه فبقي عنده ، لأنّه إذا كان يوم عيد لا يشخص فيه لأمر معيشة ولا لطلب شيء ، وهذا كلّه في البرّيّة « 4 » .
--> ( 1 ) تفسير مقاتل 1 : 108 - 109 . ( 2 ) عبد الرزّاق 1 : 271 . ( 3 ) الدرّ 1 : 170 ؛ التبيان 1 : 258 ، بلفظ : قيل هو ما ابيضّ من السحاب . ( 4 ) الدرّ 1 : 171 ؛ ابن أبي حاتم 1 : 113 - 114 / 548 و 556 .