الشيخ محمد هادي معرفة
136
التفسير الأثرى الجامع
قال الأستاذ أحمد أمين : وقد كانت نظرة المعتزلة في توحيد اللّه نظرة في غاية السموّ والرفعة ، فطبّقوا قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ أبدع تطبيق وفصّلوه خير تفصيل وحاربوا الأنظار الوضعيّة من مثل أنظار المجسّمة الّذين جعلوا للّه تعالى جسما ، له وجه ويدان وعينان . وغاية ما قاله أعقلهم « 1 » : أنّه جسم لا كالأجسام وله وجه لا كالوجوه ويد لا كالأيدي . وقالوا : بأنّ له جهة هي الفوقيّة ، وأنّه يرى بالأبصار وأنّ له عرشا يستوي عليه . إلى آخر ما قالوا ممّا ينطبق على الجسميّة . قال : فأتى المعتزلة وسموا على هذه الأنظار ، وفهموا من روح القرآن تجريد اللّه عن المادّيّة ، فساروا في تفسيرها تفسيرا دقيقا واسعا ، وأوّلوا ما يخالف هذا المبدأ . وسلسلوا عقائدهم تسلسلا منطقيّا ؛ فإذا كان تعالى ليس مادّة ، ولا مركّبا من مادّة ، فليس له يدان ولا وجه ولا عينان ، لأنّ ذلك يدلّ على جزء من كلّ ، واللّه تعالى ليس كلّا مركّبا من أجزاء ، وإلّا كان مادّة ، وإذا كان كذلك فليست تدركه عيوننا التي خلقت وليس في قدرتها إلّا أن ترى ما هو مادّة وما هو في جهة . قال : وعلى كلّ حال كان مسلك المعتزلة مسلكا لا بدّ منه ، لأنّه أشبه بردّ فعل لحالة بعض العقائد في زمنهم . لقد قرّروا سلطان العقل وبالغوا فيه أمام من لا يقرّ للعقل بسلطان ، بل يقول : نقف عند النصّ . وهكذا قال المعتزلة بحرّيّة الإرادة وغلوا فيها أمام قوم سلبوا الإنسان إرادته ، حتّى جعلوه كالريشة في مهبّ الريح أو كالخشبة في اليمّ . قال : وفي رأيي أنّه لو سادت تعاليم المعتزلة إلى اليوم ، لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحاليّ ، وقد أعجزهم التسليم وشلّهم الجبر وقعد بهم التواكل « 2 » .
--> ( 1 ) يريد بهم أصحاب البلكفة الأشعرية قالوا : إنّ اللّه يرى بلا كيف وله وجه بلا كيف وله يد بلا كيف . وهلمّ جرّا . حاولوا بذلك التخلّص من الشنعة عليهم بالقول بالتجسيم . . راجع : التمهيد 3 : 81 . ( 2 ) راجع : ضحى الإسلام للأستاذ أحمد أمين المصري 3 : 68 - 70 .