الشيخ محمد هادي معرفة
130
التفسير الأثرى الجامع
وقفة عند مسألة الرؤية لعلّنا في مجال آخر نبحث عن مسألة الرؤية بتفصيل ، غير أنّا رأينا من المناسب أن نقف عند مسألة الرؤية هنا وقفة قصيرة ، حيث فصّلنا الكلام عنها في كتابنا التمهيد « 1 » ، وإليك طرفا منه : ذهب الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابيه : اللمع والإبانة ، إلى جواز رؤية اللّه - سبحانه - في الآخرة رؤية بالأبصار . واستند في ذلك إلى قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ . إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ « 2 » . قال : يعني رائية . إذ ليس يخلو النظر من وجوه ثلاثة ، إمّا نظر الاعتبار كما في قوله تعالى : أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ « 3 » . أو نظر الانتظار كما في قوله تعالى : ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً « 4 » . أو نظر الرؤية . أمّا الأوّل فلا يجوز ، لأنّ الآخرة ليست بدار اعتبار . وكذا الثاني ، لأنّ النظر إذا ذكر مع الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه . ولأنّ نظر الانتظار لا يقرن « إلى » . وتشبّث أيضا بحديث موسى وسؤال الرؤية . إذ لا يجوز أن يكون موسى عليه السّلام سأل ربّه المستحيل « 5 » . وسبقه إلى ذلك أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي في رسالة ردّ بها على الجهميّة ، حشاها بأخبار زعمها صريحة في الدلالة على إثبات رؤية اللّه في الآخرة . منها : [ 2 / 1975 ] ما رواه عن شيخ بغدادي لا يعرفه بالإسناد إلى أنس بن مالك قال : يتجلّى ربّنا لأهل الجنّة في كلّ جمعة ، تفسيرا لقوله تعالى : وَلَدَيْنا مَزِيدٌ « 6 » . [ 2 / 1976 ] وبإسناد آخر فيه ضعف وجهالة عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري يحكي - فيما زعم - حالة المسلمين يوم القيامة ، قال : « ونحن على كوم إذ يأتينا ربّنا فيقول : ما ذا تنتظرون ؟ فنقول : ننتظر ربّنا ! فيقول : ها أنا ربّكم ! فنقول : حتّى ننظر إليك ! فيتجلّى لنا وهو يضحك ، فنتبعه إلى الجنّة .
--> ( 1 ) الجزء الثالث : 77 - 97 . ( 2 ) القيامة 75 : 23 . ( 3 ) الغاشية 88 : 17 . ( 4 ) يس 36 : 49 . ( 5 ) راجع كتابيه الإبانة : 25 واللمع : 61 . ( 6 ) سورة ق 50 : 35 .