الشيخ محمد هادي معرفة
123
التفسير الأثرى الجامع
أمرهم به وخرجوا للقاء اللّه : يا موسى اطلب لنا إلى ربّك لنسمع كلام ربّنا ! فقال : أفعل . فلمّا دنا موسى من الجبل وقع عليه الغمام حتّى تغشّى الجبل كلّه ، ودنا موسى فدخل فيه ، وقال للقوم : ادنوا . وكان موسى إذا كلّمه ربّه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه ، فضرب دونه الحجاب . ودنا القوم حتّى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا ، فسمعوه وهو يكلّم موسى يأمره وينهاه : افعل ولا تفعل . فلمّا فرغ من أمره وانكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا لموسى : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً . فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ « 1 » وهي الصاعقة فماتوا جميعا . وقام موسى يناشد ربّه ويدعوه ، ويرغب إليه ويقول : رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ « 2 » وقد سفهوا ، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما تفعل السفهاء منّا ؟ أي أنّ هذا لهم هلاك ، اخترت منهم سبعين رجلا ، الخيّر فالخيّر ارجع إليهم ، وليس معي منهم رجل واحد ، فما الذي يصدّقوني به أو يأمنوني عليه بعد هذا ؟ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ « 3 » . فلم يزل موسى يناشد ربّه - عزّ وجلّ - ويطلب إليه ، حتّى ردّ إليهم أرواحهم ، فطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل ، فقال : لا ، إلّا أن يقتلوا أنفسهم « 4 » . [ 2 / 1957 ] وعن السدّي : لمّا تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل ، وتاب اللّه عليهم بقتل بعضهم بعضا كما أمرهم به ، أمر اللّه تعالى موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ، ووعدهم موعدا ، فاختار موسى من قومه سبعين رجلا على عينه ، ثمّ ذهب بهم ليعتذروا . فلمّا أتوا ذلك المكان قالوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فإنّك قد كلّمته فأرناه . فأخذتهم الصاعقة فماتوا ، فقام موسى يبكي ويدعو اللّه ويقول : ربّ ما ذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا « 5 » . فأوحى اللّه إلى موسى : إنّ هؤلاء السبعين ممّن اتخذ العجل ، فذلك حين يقول موسى : إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ . وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً
--> ( 1 ) الأعراف 7 : 155 . ( 2 ) الأعراف 7 : 155 . ( 3 ) الأعراف 7 : 156 . ( 4 ) الطبري 1 : 416 / 806 . ( 5 ) الأعراف 7 : 155 .