الشيخ محمد هادي معرفة
112
التفسير الأثرى الجامع
وهكذا جاء في قراءة قتادة : « فأقيلوا أنفسكم » من الإقالة : أي استقيلوا العثرة بالتوبة « 1 » . أي امحوها بالتوبة . كما قال ابن الزبير بشأن مقتل عثمان : لا أستقيلها أبدا . أي لا أقيل هذه العثرة ولا أنساها « 2 » . ولعلّه قراءة بالمعنى قصدا للتفسير ، كما في قراءات معزوّة إلى ابن مسعود وكثير من السلف . وفي شواذّ ابن خالويه : قرأ قتادة : « فأقيلوا أنفسكم » . قال : اقتال في غير هذا ( الموضع ) بمعنى احتكم ، كما قال كعب : « وما اقتال من حكم عليّ طبيب » « 3 » . وعليه فالمعنى هنا : طلب الإقالة من عثرتها ، المستدعي لشدّة النكير عليها وتعنيفها على ما فرط منها فلا تعود لمثلها أبدا . * * * هذا وقد صحّ التعبير بقتل النفس كناية عن كبح جموحها والحطّ من غلواء شهواتها ، فلا تطغو ولا تتجاوز حدودها المضروبة لها . قال تعالى : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً . وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً . وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً « 4 » . قوله : أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ بترك هواها والتزام الطاعة محضا . [ 2 / 1933 ] قال الإمام الصادق عليه السّلام : « بالتسليم لوليّ الأمر والطاعة له محضا » « 5 » وهذا إشارة إلى ما في آية سابقة عليها : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ إلى قوله : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً « 6 » .
--> ( 1 ) الثعلبي 1 : 198 . ( 2 ) لسان العرب 11 : 580 . ( 3 ) شواذّ القراءات : 6 / 5 . ( 4 ) النساء 4 : 66 - 68 . ( 5 ) الكافي 8 : 184 / 210 . ( 6 ) النساء 4 : 62 - 65 .