الشيخ محمد هادي معرفة

94

تلخيص التمهيد

ثمّ جعل ابن رشيق يعدّد من أنواع الاطّراد وفيها تكلّف من شعراء فصحاء « 1 » . وزعم أيضاً أنّ في حكاية أقوال الآخرين تحوّلًا من الممكن إلى المعجز . . . ! كلام غريب ، ولعلّه حسبه نقلًا بالحروف ! ولا شكّ أنّه نقل بالمعنى ، لا سيّما مع النظر إلى لغاتهم غير العربية ، ويدلّك عليه سرد قضية واحدة في مواضع من القرآن في مختلف العبارات ، وإن كانت في كلّ مرة ذات مزيّة حكَميّة لا تشترك فيها أختها . وعليه ، فالكلام كلامه تعالى ، لأنّه من نظمه وتأليفه بالذات . ونسبة الكلام إنّما يتحقّق بالنضد والتأليف ، الأمر الذي يكون الإعجاز فيه ، أيّاً كان لفظ المنقول عنه . وأخيراً ، فإنّ التفاوت في درجة فضيلة البيان هي أيضاً آية أخرى ، تحلّت بها آيات القرآن الكريم ، فكان هناك بليغ وأبلغ وفصيح وأفصح ، حسب تفاوت المقامات واختلاف المناسبات . وقد جعل السكّاكي حدّ الإعجاز من بلاغته طرفها الأعلى وما يقرب منه ، فلا تستوي مرتبة البلاغة في الآيات ، وإن كان الجميع بالغاً حدّ الإعجاز . 3 - إنّما يعرف ذا الفضل من العلم ذووه ليست معجزة نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله بدعا من معاجز سائر الأنبياء عليهم السلام إذ كان نُبهاء الأُمم وأصحاب الاختصاص هم الذين كانوا يلمسون واقع الإعجاز . وامتياز المعجز عن الممكن - فيما يقدّمه الأنبياء - إنّما يعرفه أفذاذ الناس . كانت سحرة فرعون هم الذين لمسوا الحقّ في العصا واليد البيضاء ، فآمنوا به وتبعهم الآخرون ، وهكذا . فكان سبيل القرآن - وهو أرقّ المعاجز وأرقاها - سبيل سائر المعاجز يعرفه ذوو الاختصاص من أهل الفنّ ، والأذكياء من العلماء ، ومن ثمّ فإنّهم هم المراجع في وضح الحقّ ودحض الأباطيل « فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » « 2 » .

--> ( 1 ) . العمدة لابن رشيق : ج 2 ص 82 رقم 65 . ( 2 ) . النحل : 43 .