الشيخ محمد هادي معرفة
70
تلخيص التمهيد
كَثِيراً » « 1 » . فقد خاض القرآن في فنون المعارف وشتّى العلوم ممّا يتخصّص به الممتازون من علماء البشر ، فقد طرق أبواب الفلسفة والسياسة والإدارة وأصلح من علم اللاهوت والأخلاق والسنن والآداب ، وأتى بالتشريع المدني والنظام الإداري والفنّ الحربي ، وأرشد وذكّر ووعظ ، وهدّد وأنذر ، في أحسن أسلوب وأقوم منهج وأبلغ بيان ، لم تشنه زلّة ولم تنقضه عثرة . ولا وهن ولا اضطرب ولا سقط في حجة وبرهان ، الأمر الذي لا يمكن صدوره من مثل إنسان عاش في تلك البيئة الجاهلة البعيدة عن معالم الحضارة وأسس الثقافات . ومنها : إعجازه من وجهة التشريع العادل ونظام المدنية الراقية ، ممّا يترفّع بكثير عن مقدرة البشر الفكرية والعقلية ذلك العهد ، ولا سيّما إذا قارنّاه مع شرائع كانت دارجة في أوساط البشر المتديّنة أو المتمدّنة فيما زعموا . ومنها : استقصاؤه للأخلاق الفاضلة ومبادئ الآداب الكريمة ، ممّا كانت تنبو عن مثل تلك العادات والرسوم التي كانت سائدة إلى ذلك العهد . ومنها : إخباراته الغيبية وإرهاصاته بتحكيم هذا الدين وإعلاء كلمة اللَّه في الأرض في صراحة ويقين . قال : هذا شيء قليل في البيان في الوجهات المذكورة ، وهَبْ أنّ الوساوس تقتحم على الحقائق وتخالط الأذهان بواهيات الشكوك ، ولكن الزبد يذهب جفاءً فأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض . وهل يسوغ لذي شعور أن يختلج في ذهنه الشكّ بعد هذا في إعجاز القرآن ؟ وهو الكتاب الجامع بفضيلته لهذه الكرامات الباهرة ، وخروجه عن طوق البشر مطلقاً ، وخصوصاً في ذلك العصر وفي تلك الأحوال ، وهل يسمح عقله إلّا بأن يقول : « إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى » « 2 » وصدق اللَّه العظيم « 3 » .
--> ( 1 ) . النساء : 82 . ( 2 ) . النجم : 4 . ( 3 ) . راجع تفصيل ما اقتضبناه من مقدّمة تفسيره « آلاء الرحمان » : ص 3 - 16 .