الشيخ محمد هادي معرفة
66
تلخيص التمهيد
والتركيب مجرى الحروف أنفسها فيما هي له من أمر الفصاحة فيهيّئ بعضها لبعض ، ويساند بعضاً ، ولن تجدها إلّامؤتلفة مع أصوات الحروف ، مساوقة لها في النظم الموسيقي . حتّى أنّ الكلمة ربّما كانت ثقيلة في نفسها لسبب من أسباب الثقل أيّها كان ، فلا تعذب ولا تساغ ، وربما كانت أوكس النصيبين في حظّ الكلام من الحرف والحركة ، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأناً عجيباً ، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقاً في اللسان ، واكتنفتها بضروب من النغم الموسيقي ، حتّى إذا خرجت فيه كانت أعذب شيء وأرقّه ، وجاءت متمكّنة في موضعها ، وكانت لهذا الموضع أولى الحركات بالخفّة والروعة . من ذلك لفظ « النُذُر » جمع نذير ، فإنّ الضمّة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذال معاً فضلًا عن جسأة هذا الحرف ونبوّه في اللسان ، وخاصّة إذا جاءت فاصلة للكلام . فكلّ ذلك ممّا يكشف عنه ويفصح عن موضع الثقل فيه ، ولكنّه جاء في القرآن على العكس وانتفى من طبيعته في قوله تعالى : « وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ » « 1 » . فتأمّل هذا التركيب وأنعم ثمّ أنعم على تأمّله ، وتذوّق مواقع الحروف واجرِ حركاتها في حسّ السمع ، وتأمّل مواضع القلقلة في دال « لقد » ، وفي الطاء من « بطشتنا » ، وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو « تماروا » ، مع الفصل بالمدّ ، ثمّ أعجب لهذه الغنّة التي سبقت الطاء في نون « أنذرهم » وفي ميمها ، وللغنّة الأُخرى التي سبقت الذال في « النذر » . ثمّ أخذ في ضرب أمثلة من ألفاظ وكلمات كانت غريبة وثقيلة ، لكنّها جاءت في القرآن في مواقعها الخاصّة أليفة وخفيفة في أبدع ما يكون وأروع ما يتصوّر ، « كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ » « 2 » . « 3 » وسنذكر تفاصيلها في مجاله الآتي إن شاء اللَّه .
--> ( 1 ) . القمر : 36 . ( 2 ) . هود : 1 . ( 3 ) . إعجاز القرآن للرافعي : ص 209 - 229 .