الشيخ محمد هادي معرفة

51

تلخيص التمهيد

فإن قالوا : خافوا أن يلتبس الأمر فيظنّ قوم أنّه ليس مثله . قيل : قد حصل المطلوب ، لأنّ الاختلاف حينذاك يوجب الشبهة ، فكان أولى من الترك الذي يقوى معه شبهة العجز . وليس لهم أن يقولوا : لم تتوفّر دواعيهم إلى ذلك . لأنّهم تحمّلوا المشاق ، والعاقل لا يتكلّف ذلك إذا لم تتوفّر دواعيه إلى إبطال دعوى خصمه . فإن قالوا : إنّما لم يعارضوه ، لأنّ في كلامهم ما هو مثله أو مقاربه . قلنا : هذا غير مسلّم . وعلى فرض التسليم فإنّ التحدّي وقع لعجزهم فيما يأتي ، فلو كان في كلامهم مثله فهو أبلغ لعجزهم في تحقّق التحدّي بالعجز عن الإتيان بمثله في المستقبل . فإن قيل : واطأه قوم من الفصحاء . قيل : هذا باطل ، لأنّه كان ينبغي أن يعارضه من لم يواطئه ، فإنّهم - وإن كانوا أدون منهم في الفصاحة - كانوا يقدرون على ما يقاربه - على الفرض - لأنّ التفاوت بين الفصحاء لا ينتهي إلى حدّ يخرق العادة . على أنّ الفصحاء المعروفين والبلغاء المشهورين في وقته كلّهم كانوا منحرفين عنه ، كالأعشى الكبير الذي في الطبقة الأُولى ومن أشبهه مات على كفره ، وكعب ابن زهير أسلم في آخر الأمر وهو في الطبقة الثانية وكان من أعدى الناس له عليه السلام ، ولبيد بن ربيعة والنابغة الجعدي من الطبقة الثالثة أسلما بعد زمان طويل ومع ذلك لم يحظيا في الإسلام بطائل . على أنّه لو كان لكان ينبغي أن يوافقوه على ذلك ويقولون له : الفصحاء المبرزون واطأُوك ووافقوك ، فإنّ الفصحاء في كلّ زمان لا يخفون على أهل الصناعة . فإن قيل : لِمَ لم يكون النّبيّ صلى الله عليه وآله - وهو أفصح العرب - قد تأتّى منه القرآن ، وتعذّر على غيره ، أو تعمله في زمان طويل فلم يتمكّنوا من معارضته في زمان قصير ؟ قيل : هذا لا يتوجّه على من يقول بالصرفة ، لأنّه يجعل صرف هممهم عن ذلك دليلًا على الإعجاز ، ولو فرض تمكّنهم من المعارضة . وأمّا من قال : إنّ جهة الإعجاز في الفصاحة والبيان ، فإنّ كون النّبيّ صلى الله عليه وآله أفصح لا يمنع من أن يقارنوه أو يدانوه ، كما هو المتعارف بينهم في المعارضة ومقارضة الشعر . على أنّ العرب