الشيخ محمد هادي معرفة

459

تلخيص التمهيد

خذ مثلًا أنّ غاز الآزوت لا يتّحد مع غيره اتّحاداً كيماوياً إلّابصعوبة وبشرائط ملائمة خاصّة ، فيتّحد في مثل هذه الظروف مع غاز الأوكسجين ، مكوّناً ما يسمّونه بحامض الآزوتيك أو النتريك ، وهو ما يعرف عند القدماء بماء الفضّة ، وهو أقوى الحوامض وأضرّها على حياة الإنسان بالذات . فلو كان الغازان يمتزجان مع بعضهما امتزاجاً كيماوياً بسهولة ويُسر وبلا واسطة أعمال كيماوية ، لانقلب الجوّ جهنّم سعيراً ، لأنّه بذلك كان الغازان يستحيلان في الجوّ حامضاً فتّاكاً ، ولأمطرت السماء ماء الفضة بدلًا من الماء العذب الفرات ، وما هو إلّاشواظ من نار ولهيب جهنّم لا يبقي ولا يذر ، فسبحانه وتعالى من رؤوفٍ رحيم . « قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا » « 1 » . * * * وإذ قد عرفت أنّ أربعة أخماس الهواء هو الآزوت ( النتروجين ) وهذا الغاز لا يكاد يتّحد في العادة بشيء ولا بالاوكسجين الذي يكاد يتّحد بكلّ شيء لكن الكيماويين وجدوا أنّهم يستطيعون بالكهربائية أن يحوّلوا الآزوت غير الفعّال إلى آزوت فعّال يتّحد بأشياء كثيرة في درجة الحرارة العادية . كما وجدوا أنّهم يستطيعون أن يحملوا الآزوت على الاتّحاد بالاوكسجين بإمرار الشرر الكهربائي في مخلوط منهما . ومن هذا الاتّحاد ينشأ بعض أكاسيد للآزوت ، قابل للذوبان في الماء ، وإذا ذاب فيه اتّحد به وكوّن حمضين آزوتيين ، أحدهما : حمض الآزوتيك ( أو ماء النار ) كما كان يسمّيه القدماء . وإليه يصير الحمض الثاني . وقليلٌ من حمض الآزوتيك في الماء كافٍ لإفساد طعمه . وأظنّك الآن بدأت تدرك الطريق الذي يمكن أن ينقلب به ماء المطر ماءً اجاجاً من غير خرق لنواميس الطبيعة ولا تبديل لسنّة اللَّه التي جرت في الخلق ، فهو نفس الطريق الكهربائي الذي يتكوّن به المطر ، وكلّ الذي يلزم أن يتعدّل التفريغ الكهربائي أو يتكرّر في

--> ( 1 ) . يونس : 58 .