الشيخ محمد هادي معرفة
45
تلخيص التمهيد
القرآن رسالة ، أو خطابة ، أو شعر ، كما يصحّ أن يقال : هو كلام ، ومن قَرَع سمعه فَصَلَ بينه وبين سائر النظم ، ولهذا قال تعالى : « وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ . لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ » « 1 » تنبيهاً أنّ تأليفه ليس على هيأة نظم يتعاطاه البشر ، فيمكن أن يزاد فيه كحال الكتب الاخر . فإن قيل : ولِمَ لم يبلغ بنظم القرآن الوزن الذي هو الشعر ، وقد علم أن للموزون من الكلام مرتبة أعلى من مرتبة المنظوم غير الموزون ، إذ كلّ موزون منظوم وليس كلّ منظوم موزوناً ؟ قيل : إنّما جنّب القرآن نظم الشعر ووزنه لخاصّية في الشعر منافية للحكمة الإلهيّة ، فإنّ القرآن هو مقرّ الصدق ، ومعدن الحقّ . وقصوى الشاعر : تصوير الباطل في صورة الحقّ ، وتجاوز الحدّ في المدح والذمّ دون استعمال الحقّ في تحرّي الصدق ، حتّى أنّ الشاعر لا يقول الصدق ولا يتحرّى الحقّ إلّابالعرض . ولهذا يقال : من كانت قوّته الخياليّة فيه أكثر كان على قرض الشعر أقدر . ومن كانت قوّته العاقلة فيه أكثر كان في قرضه أقصر . ولأجل كون الشعر مقرّ الكذب ، نزّه اللَّه نبيّه صلى الله عليه وآله عنه لما كان مرشّحاً لصدق المقال ، وواسطة بين اللَّه وبين العباد ، فقال تعالى : « وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ » « 2 » فنفى ابتغاءه له . وقال : « وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ » « 3 » أي : ليس بقول كاذب . ولم يعن أنّ ذلك ليس بشعر ، فإنّ وزن الشعر أظهر من أن يشتبه عليهم حتّى يحتاج إلى أن ينفي عنه . ولأجل شهرة الشعر بالكذب سمّي أصحاب البراهين الأقيسة المؤدّية في أكثر الأمر إلى البطلان والكذب ، شعرية ، وما وقع في القرآن من ألفاظ متّزنة فذلك بحسب ما يقع في الكلام على سبيل العرض بالاتّفاق ، وقد تكلّم الناس فيه . وأمّا الإعجاز المتعلّق بصرف الناس عن معارضته فظاهر أيضاً إذا اعتبر ، وذلك أنّه ما من صناعة ولا فعلة من الأفعال محمودة كانت أو مذمومة إلّاوبينها وبين قوم مناسبات
--> ( 1 ) . فصّلت : 41 و 42 . ( 2 ) . يس : 69 . ( 3 ) . الحاقّة : 41 .