الشيخ محمد هادي معرفة
417
تلخيص التمهيد
يبدو أنّ الذي دعا بالقائل بعدم الشمول واقتصار التحدّي على العرب الأوائل وفي جانب بيانه فقط هي نظرته القاصرة على آيات وقع التحدّي فيها موجّهاً إلى العرب بالذات . ولا شكّ ان تحديّاً موجّهاً إلى العرب يومذاك لا يعني سوى جانب البيان الذي فاق أساليب العرب وأعجزهم عن أن يأتوا بمثله . غير أنّ تحدّي القرآن لم يقتصر على فترة من الزمان ولا على امّة من الناس دون من سواهم . فنراه وجّه نداءه الصارخ إلى البشرية جمعاء في طول الزمان وعرضه ، ولكلّ الأجيال ومختلف الأقوام ، وما شأنه ذلك لا يعقل اقتصاره على جانب الفصاحة والبيان ، إذ ليس كلّ الناس عرباً ولا كلّ العرب فصحاء . . . فلا بدّ أنّ في القرآن شيئاً هو الذي تُحُدِّيَ به تحدّياً على وجه العموم ، ومن ثمّ كان بمجموع الكتاب ، لا بسورة واحدة أو آية أو آيات بالذات . « 1 » قال تعالى : « قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً » « 2 » . فهذا تحدّ عامّ وقع موجّهاً إلى كافّة الأنام ، سواء من عاصر نزول القرآن أو سائر الأيّام . وبعد ، فإليك بعض ما وصلت إليه أفهام البشرية حسب ما وصلت إليه من العلوم الطبيعية المقطوع بها تقريباً ، وكان ذلك دليلًا على معجزة القرآن الخارقة للعادة ، في يوم كان سرّ هذه العلوم والآراء النظرية ، مكتوماً على البشرية يومذاك ، وأصبح اليوم مكشوفاً ، وسيكتشف حسب مرّ الأيّام .
--> ( 1 ) . ذهب الشيخ محمّد الطاهر بن عاشور إلى أنّ الإعجاز العلمي حاصل بمجموع القرآن ، وهو إعجاز حاصل من القرآن ، وغير واقع به التحدّي إلّاإشارة ( هامش التفسير العلمي : ص 133 / 1 ) . ( 2 ) . الإسراء : 88 .