الشيخ محمد هادي معرفة

415

تلخيص التمهيد

يبلغوا ذروته التي لا تُسامى في التصوير . فما إعجاز هذا الكتاب الكريم إلّاسحره ولقد فعل سحره هذا فعله في القلوب في أوائل الوحي ، قبل أن تنزل آياته التشريعية ونبوءاته الغيبية ونظرته الكلّية الكبرى إلى الكون والحياة والإنسان . « 1 » ويسترسل أبو حجر في كلامه : إذا كنّا لا نجد تناقضاً بين الآيات الكونية المذكورة في القرآن وبين ما يكتشفه العلم في حاضره ومستقبله - بل نجد توافقاً وانسجاماً - فليس ذلك دليلًا على إعجازه المرتبط بالتحدّي ، بل هو دليل على أنّه منزل من عند اللَّه تعالى . وليس كلّ ما نزل من عنداللَّه معجزاً ، فالتوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب السماوية نزلت من عند اللَّه ، ولم توصف بالإعجاز كما وصف القرآن ، ولم يقع بها التحدّي كما وقع بالقرآن . وأيضاً فإنّ الآيات الكونية التنزيلية لا تشمل سوَر القرآن كلّها ولا آياته جميعها ، وإنّما تقع فقط في بعض السوَر وفي بعض الآيات . . . ومعلوم أنّ التحدّي وقع بأيّة سورة من سوَر القرآن ، فكلّ سورة من سورَها فيها إعجاز لا يبلغه أحد ولن يصل إليه أحد . قال : فلو كان القرآن معجزاً بسبب الإشارات العلمية المتفرّقة في ثنايا بعض آياته لكان كثير من السوَر التي تخلو من مثل هذه الإشارات بعيدة عن الإعجاز ، ولم يقل بذلك أحد ، لأنّ قليل القرآن وكثيره معجز . وإذا ثبت أن قليل القرآن وكثيره معجز ثبت أنّ ما في القرآن من حقائق الأخبار ودقائق الشرائع وعجائب الأسرار - التي لم يعرفها البشر إلّابعد القرون المتطاولة - كلّ ذلك بمعزل عن الذي طولب به العرب أن يعارضوه ، بما حملهم على الاعتراف بأنّه كلام ربّ العالمين . « 2 » وأضاف أنّ هذا الوجه من الإعجاز - على القول به - لن يوفّق إلى فهمه والإحاطة به إلّا

--> ( 1 ) . مباحث في علوم القرآن : ص 320 - 321 . ( 2 ) . انظر الظاهرة القرآنية تقديم محمود شاكر : ص 22 .