الشيخ محمد هادي معرفة

373

تلخيص التمهيد

كقوله تعالى : « لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ » « 1 » ، لم يقل عمّا تجرمون احترازاً عن التصريح بنسبة الجرم إليهم واكتفاءً بالتعريض في قوله « عمّا أجرمنا » . لئلّا تأخذهم الحمية الجاهلية والأنفة ، وليتفكّروا في حالة أنفسهم وحالة من خالفهم في العمل ، إن صلاحاً أو فساداً ، فيدركوا بالتأمّل ما هو الحقّ منهما « 2 » . وقد فصّل الكلام في ذلك ابن الأثير ، وعقد له باباً استخرجه من كتاب اللَّه وشرحه شرحاً وافياً ، قال : وهذا البابُ أنا استخرجتُه من كتاب اللَّه تعالى ، وهو مخادعاتُ الأقوال التي تقومُ مقامَ مخادعات الأفعال ، والكلامُ فيه وإنّ تضمَّن بلاغة ، فليس الغرض هاهنا ذكر بلاغته فقط ، بل الغرضُ ذكرُ ما تضمَّنه من النكت الدقيقة في استدراج الخصم إلى الإذعان والتسليم . وإذا حُقِّق النظرُ فيه عُلِم أنّ مدارَ البلاغة كلِّها عليه ، لأنّه لا انتفاع بإيراد الألفاظ المليحة الرائقة ، ولا المعاني اللطيفة الدقيقة ، دونَ أن تكونَ مُستجلِبَة لبلوغ غرض المخاطب بها . والكلامُ في مثل هذا ينبغي أن يكون قصيراً في خلابه ، لا قصيراً في خطابه . فإذا لم يتصرَّف الكاتب في استدراج الخصم إلى إلقاء يده ، وإلّا فليس « 3 » بِكاتب ، ولا شبيه له إلّاصاحب الجدل ، فكما أنّ ذاك يتصرَّف في المغالطات القياسية ، فكذلك هذا يتصرَّف في المغالطات الخطابية . وقد ذكرتُ في هذا النوع ما يُتعلَّم منه سلوكُ هذه الطريق . فمن ذلك قوله تعالى : « وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ » « 4 » .

--> ( 1 ) . سبأ : 25 . ( 2 ) . أنوار الربيع : ج 6 ص 62 و 63 . ( 3 ) . سياق المعنى يقتضي حذف كلمة « وإلّا » . ( 4 ) . غافر : 28 .