الشيخ محمد هادي معرفة
360
تلخيص التمهيد
ومن الممتنع عادة أن يقوم المتكلّم بإجابة ملتمس كلا الفريقين ، ليجمع بين الظنّ واليقين في خطاب واحد . . . الأمر الذي حقّقه القرآن فعلًا بعجيب بيانه وغريب أسلوبه . والبرهان : ما تركّب من مقدّمات يقينية ، سواء أكانت ضرورية ( بديهية أو فطرية ) أم كانت نظرية ( منتهية إلى الضروريات ) . والقضايا الضرورية ستّة أنواع : 1 - أوّليات ، وهي قضايا قياساتها معها . يكفي في الجزم بالحكم مجرّد تصوّر الطرفين . كقولنا « الكلّ أعظم من الجزء » . أو مع تصوّر الواسطة وحضورها في الذهن ، كقولنا : « الأربعة زوج » لأنّه ينقسم إلى متساويين . 2 - مشاهدات ، هي قضايا محسوسة بالحواس الظاهرة كإضاءة الشمس . 3 - وجدانيات ، منشأها الحسّ الباطني كالإحساس بالخوف والغضب . 4 - متواترات ، أخبار جماعة يمتنع عادةً تواطؤهم على الكذب والاختلاق . 5 - مجرّبات ، يحصل الجزم بالنتيجة على أثر تكرّر المحسوس . 6 - حدسيات ، هي سرعة الانتقال من المبادئ إلى المطالب ، ويقابلها الفكر ، الذي هو حركة الذهن نحو المبادئ ثم رجوعه إلى المطالب ، فلا بدّ فيه من حركتين ، على خلاف الحدس ، إذ لا حركة فيه ، لأنّ الحركة تدريجية ، والانتقال آني . أمّا الخطابة فهي ما تركّب من مقدّمات كانت مقبولة معتقداً بها لأمر سماوي أو لمزيد عقل ودين . ونظيرها الجدل ، المتركّب من قضايا مشهورات تقبّلتها العامّة وخضعت لها أعرافُهم ونسجت عليها طبائعهم ، فألفوها وأذعنوا بها إذعاناً . أو قضايا مسلّمات تسلّم بها المخاطبون كأصول مفروضة مسلّم بها . والقرآن الكريم قد استفاد في دلائله من كلّ هذه الأساليب ، وفى الأكثر جمع بينها في خطاب مع العامّة يشترك معهم الخواصّ . هذا غاية في القدرة على الاستدلال وإقامة البرهان .