الشيخ محمد هادي معرفة

358

تلخيص التمهيد

والتقسيم ، لأنّ الأمر يدور بين ثلاثة : إمّا أن يكونوا قد خُلِقوا من عند أنفسهم ليس لهم خالق ، أو يكونوا هم الذين خلقوا أنفسهم ، أو ينتهي خلقهُم إلى خالق خارج من أنفسهم ، ولا رابع لذلك . أمّا الأول - ليكونوا قد خُلِقوا لا من شيء ، ولا خالق لهم ، وأنّهم وجدوا لا من علّة وسبب - فهذا ممّا يستحيله العقل ، إذ لا معلول بلا علّة ولا موجود بلا موجد . فلا تترجح كفّة الوجود على كفّة العدم ، في دائرة الممكنات ، لسوى مرجّح خارجي . وكذا الثاني ، لأنّه دور مستحيل ، وتوقّف وجود الشيء على نفسه ممّا يمتنع في بديهة العقل . إذاً فالصحيح المعقول هو الفرض الثالث ، أنّهم مخلوقون ، وأنّ لهم خالقاً ، هو واجب الوجود لذاته ، ويكون منتهى سلسلة الموجودات في دائرة الإمكان . وقوله تعالى : « كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ » « 1 » . وقوله : « كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ » « 2 » . وقوله : « أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ » « 3 » . وهذا من قياس النظير على النظير ، فقد قيس أمر الإعادة على أمر البدء ، قياساً معقولًا ، لأنّ الذي فعل شيئاً قادر على أن يفعل مثله ، إذ حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد . . . . بل المسألة هنا هي الإعادة ، وهي أهون من الإبداع . كما سبق في قوله تعالى : « وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ . . . » « 4 » . وأجمل حجاج جاء إفحاماً للخصم ودحضاً لحجّته قوله تعالى : « وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ . إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ .

--> ( 1 ) . الأعراف : 29 . ( 2 ) . الأنبياء : 104 . ( 3 ) . ق : 15 . ( 4 ) . الروم : 27 .