الشيخ محمد هادي معرفة

345

تلخيص التمهيد

وهو : أن يأخذ المتكلّم في معنى من المعاني ، فبينا هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره ، بلطفٍ ورفق ، وكأنّما الأوّل مدرج إليه أو سبب من الأسباب المؤاتية له . وبذلك يكون الكلام كلّه آخذاً بعضه برقاب بعض ، وكأنّما أُفرغ إفراغةً واحدة . الأمر الذي يدلّ على حذق المتكلّم وقوّة تصرّفة في مجاري الألفاظ والمعاني . فتراه ينتقل من موضوع إلى موضوع آخر من غير أن يقطع كلامه أو يستأنف كلاماً جديداً . على عكس « الاقتضاب » الذي هو القطع والاستئناف ، وقد كان مذهب العرب الأوائل ومن يليهم من المخضرمين . فخالفهم القرآن وأتى بطريقة جديدة في الانتقال من غير قطع ولا استئناف . وهي طريقة بديعة تأخذ بمشاعر السامع في شتّى المذاهب من غير أن يشعر بالتصّرف والانتقال ، في رفق ولين وسحر بيان . قال ابن معصوم : وهو الركن الثاني من الأركان الأربعة للبلاغة الفائقة ، والتي نبّه مشايخ البديع على وجوب التأنق فيها . وهو عبارة عن أن ينتقل المتكلّم ممّا ابتدأ به من فنون الكلام إلى ذات المقصود على وجه سهل ، برابطة ملائمة ، وجهة جامعة مقبولة ، يختلس به نحو المطلوب اختلاساً رشيقاً ، بحيث لا يتفطّن السامع للانتقال من المعنى الأول إلّاوقد رسخت ألفاظ المعنى الثاني في سمعه ، وقرّ معناه في قلبه لشدّة الالتئام والوئام بينهما « 1 » . وقال ابن أبي الإصبع : وهي في الكتاب العزيز معرفة الوصل من الفصل ، وقد ذهب بعض المتكلّمين إلى أنها أحد وجوه الإعجاز . وهو دقيق يكاد يخفى في غير الشعر إلّاعلى الحاذق من ذوي النقد وهو مبثوث في الكتاب العزيز إذا تُتُبِّع وُجد ، كابتداء آيات قد يجدها البادي في النظر غير متناسبة لما قبلها من فواصل وآيات . لكن لا يكاد يعرف التناسب بينها

--> وهو على الحقيقة قينة الشعراء في الإطراب ، وعنقاؤهم في الإغراب . ومع هذا فإنه لم يوفّق في التخلّص من الغزل إلى المديح ، بل اقتضبه اقتضاباً . قال ابن الأثير : ولقد حفظت شعره فلم أجد له من ذلك شيئاً مرضياً إلّااليسير . ( المثل السائر : ج 3 ص 126 ) . ( 1 ) . أنوار الربيع : ج 3 ص 240 .