الشيخ محمد هادي معرفة

337

تلخيص التمهيد

لفظه أوسع من المعنى قليلًا . وإذا ما طلبت سرّ ذلك رأيته قد أودع معنى تلك الكلمات المحذوفة أو الجمل المطويّة ، في كلمة هنا وحرف هناك ، ثمّ أدار الأسلوب إدارة عجيبة ، أمرّ عليها جندرة البيان « 1 » بيد صنّاعة ، فأحكم بها خلقه وسوّاه ، ثمّ نفخ فيه من روحه ، فإذا هو مصقول أملس ، وإذا هو نيّر مشرق ، لا تشعر النفس بما كان فيه من حذف أو طيّ ، ولا بما صار إليه من استغناء واكتفاء ، إلّا بعد تأمّل وفحص دقيق . انظر إلى قوله تعالى : « وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ » « 2 » . وردت الآية بشأن أولئك المجرمين ، ممّن كان يتجاسر بموقف الرسول ويتهكّم به ، قائلًا متمسخراً : « اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ » « 3 » . وقد قال تعالى بشأنهم : « وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ » « 4 » . وقال : « قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ . أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ » « 5 » . إلى غيرها من آيات تنم عن سفه أحلام المجرمين ، وقد ألحدُوا في آياته . فقد جاء قوله تعالى - في الآية - ردّاً على سفههم في استعجال العذاب : ماذا يستعجل هؤلاء ؟ أيستعجلون الشرّ ؟ وهل ذاك في صالحهم لو يعجّل اللَّه لهم بالشرّ ؟ . . . فكانت الآية في نظمها الطبيعي مسوقة في ثلاثة مقاطع :

--> ( 1 ) . يقال : جندر الكتاب بمعنى أمرّ القلم على ما درس منه ( النبأ العظيم : ص 131 ) . ( 2 ) . يونس : 11 . ( 3 ) . الأنفال : 32 . ( 4 ) . يونس : 46 . ( 5 ) . يونس : 50 و 51 .