الشيخ محمد هادي معرفة
335
تلخيص التمهيد
معنىً قليل . ومثال هذا كالجوهرة الواحدة إلى الدراهم الكثيرة ، فمن ينظر إلى طول الألفاظ يؤثر الدراهم لكثرتها ، ومن ينظر إلى شرف المعاني يؤثر الجوهرة لنفاستها . ولهذا سمّى النبيّ صلى الله عليه وآله سورة الفاتحة « امّ الكتاب » . وإذا نظرنا إلى مجموعها وجدناه يسيراً ، لا يتناسب أن تكون « امّاً » لمثل سورة « البقرة » أو « آل عمران » من السور الطوال ، فعلمنا أنّ ذلك لأمرٍ يرجع إلى معانيها . وبهذه المناسبة أفاد بيان أقسام معاني القرآن بما يشتمل عليه سُوَرهُ وآياته من أنحاء ستة ، ثلاثة منها أصول ، وثلاثة فروع موفّرة أكثرها في الفاتحة . أمّا الأصول ، فأحدها : التعريف بالمدعوّ إليه بما اشتمل على ذكر صفاته ونعوته . وثانيها : التعريف بالصراط المستقيم الذي يجب سلوكه إلى اللَّه تعالى . وثالثاً : تعريف الحال بعد اللقاء في نهاية المطاف . وأمّا الفروع ، فأحدها : التعريف بأحوال كلّ من المجيبين للدعوة والعاصين ، وصنع اللَّه بهم من النصرة أو التدمير . وثانيها : ذكر مجادلات الخصوم . وثالثها : أخذ الزاد والأهبة للاستعداد . فهذه أنحاء ستة تدور عليها معاني القرآن الكريم ، فإذا نظرنا إلى سورة الفاتحة وجدناها حاوية على أربعة من هذه الأنحاء ، ولذلك سمّاها النبيّ صلى الله عليه وآله امّ الكتاب . كما أنّه صلى الله عليه وآله قال : « سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن » لأنّها تحوي على اثنين من هذه الستة . . . ولذلك كانت آية الكرسي سيّدة آي القرآن . ويروى أنّه صلى الله عليه وآله سأل ابيّ بن كعب ، فقال : أيّ آية معك في كتاب اللَّه أعظم ؟ فقال : « اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ . . . » فضرب صلى الله عليه وآله في صدره وقال : « ليهنك العلم ، أبا المنذر » وكانت كنية ابيّ بن كعب . قال : وكلّ هذا يرجع إلى المعاني ، لا إلى الألفاظ ، فاعرف ذلك وبيّنه لرموزه وأسراره « 1 » .
--> ( 1 ) . المثل السائر : ج 2 ص 265 - 268 .