الشيخ محمد هادي معرفة

321

تلخيص التمهيد

سادسها : التنبيه على مصيره ، نحو قوله تعالى : « تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ » « 1 » أي جهنّميّ مصيره إلى اللهب . وقوله : « حَمَّالَةَ الْحَطَبِ . فِي جِيدِها حَبْلٌ » أي نمّامة ، مصيرها إلى أن تكون حطباً لجهنّم في جيدها غلّ . واستنبط الزمخشري نوعاً من الكناية غريباً ، وهو أن تعمد إلى جملة معناها على خلاف الظاهر ، فتأخذ الخلاصة من غير اعتبار مفرداتها بالحقيقة والمجاز ، فتعبّر بها عن المقصود ، كما تقول في نحو : « الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى » « 2 » . إنّه كناية عن الملك ، فإنّ الاستواء على السرير لا يكون إلّامع الملك ، فجعل كناية عنه . قال : لمّا كان الاستواء على العرش - وهو سرير الملك - ممّا يردف الملك جعلوه كناية عن الملك ، فقالوا : استوى فلان على العرش ، يريدون : مَلِك ، وإن لم يقعد على السرير البتة . وقالوه أيضاً لشهرته في ذلك المعنى ومساواته « ملك » في مؤدّاه ، وإن كان أشرح وأبسط وأدلّ على صورة الأمر . قال : ولا ترى باباً في علم البيان أدقّ ولا أرقّ ولا ألطف من هذا الباب ، ولا أنفع وأعون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام اللَّه تعالى في القرآن وسائر الكتب السماوية وكلام الأنبياء ، فإنّ أكثره وعليّته « 3 » تخييلات ، قد زلّت فيها الأقدام قديماً . وما أتى الزالّون إلّامن قلّة عنايتهم بالبحث والتنقير ، حتّى يعلموا أنّ في عداد العلوم الدقيقة علماً لو قدّروه حقّ قدره ، لما خفي عليهم أنّ العلوم كلّها مفتقرة إليه وعيال عليه . إذ لا يحلّ عقدها الموربة ولا يفكّ قيودها المكربة إلّاهو . وكم آية من آيات التنزيل وحديث من أحاديث الرسول قد ضيم وسيم الخسف بالتأويلات الغثّة والوجوه الرثّة ، لأنّ من تأوّل ليس من هذا العلم في عِير ولا نفير ، ولا يعرف قبيلًا منه من دبير « 4 » . * * * ومن أنواع البديع التي تشبه الكناية : الإرداف ، وهو أن يريد المتكلّم معنى فلا يعبّر عنه بلفظه الموضوع له ، ولا بدلالة الإشارة ، بل بلفظ يرادفه ، كقوله تعالى : « وَقُضِيَ الْأَمْرُ » « 5 » .

--> ( 1 ) . المسد : 1 . ( 2 ) . طه : 5 . ( 3 ) . أي معظمه . ( 4 ) . الكشاف : ج 4 ص 142 - 143 . ( 5 ) . البقرة : 210 .