الشيخ محمد هادي معرفة
32
تلخيص التمهيد
وعليه فتزداد قوّة الكلام وصلابته وكذا روعة البيان وصولته كلّما ازدادت العناية بجوانبه اللفظيّة والمعنوية من الاعتبارات المناسبة ، ورعاية مقتضيات الأحوال والأوضاع ، وملاحظة مستدعيات المقامات المتفاوتة ، على ما فصّله القوم . وقلّ من يتوفّق لذلك بالنحو الأتمّ أو الأفضل ، بل الأكثر ، ما دام الإنسان حليف النسيان . أمّا بلوغ الأقصى والكمال الأوفى الذي حدّ الإعجاز فهو خاصّ بذي الجلال المحيط بكلّ الأحوال . وفي ذلك يقول السكّاكي : البلاغة تتزايد إلى أن تبلغ حدّ الإعجاز ، وهو الطرف الأعلى وما يقرب منه « 1 » . ومنه أخذ الخطيب القزويني : وللبلاغة في الكلام طرفان ، أعلى وهو حدّ الإعجاز وما يقرب منه . وأسفل وهو ما إذا غيّر الكلام إلى ما دونه التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات « 2 » . إذاً فالطرف الأعلى وما يقرب منه ، كلاهما حدّ الإعجاز ، على ما حدّده السكّاكي ، وبذلك يكون اختلاف مراتب آيات القرآن في الفصاحة والبيان كلّه داخلًا في حدّ الإعجاز الذي لا يبلغه البشر ، وهذا هو الصحيح على ما سنبيّن . وبعد ، فالمتلخّص من هذا البيان : أنّ التفاضل بين كلامين أو التماثل بينهما إنّما يتحقّق بهذه الاعتبارات - التي هي مقاييس لدرجة فضيلة الكلام - وهي من قبيل المعنى أكثر من كونها من قبيل اللفظ ، فليس المقصود بالتحدّي المعارضة في التشاكل اللفظي والتماثل في صورة الكلام فحسب ، كما حسبه مسيلمة الكذّاب ومن حذا حذوه من أغبياء القوم . سرّ الإعجاز وجوه الإعجاز في مختلف الآراء والنظرات اختلفت أنظار العلماء في وجه إعجاز القرآن بين من أنهاه إلى عدّة وجوه ومن اقتصر
--> ( 1 ) . مفتاح العلوم : ص 196 - 199 . ( 2 ) . المطوّل للتفتازاني : ص 31 طبعة استنبول .