الشيخ محمد هادي معرفة

307

تلخيص التمهيد

تعرفه العامّة ولم يسبق لها نظير في كلام العرب . إنّ لبياض الشيب تشعشعاً بالنور لدى النظر إليه ، شأن كلّ بياض يعكس بالنور المشعّ عليه ، فيندفق النور من حوله ، كما يفيض الماء من جوانب الإناء ، وكما يلتهب شواظ النار عند توقّد الاشتعال . وهكذا ينبسط ضياء المشيب كما ينبسط وهج النار . إنّه تشبيه ، فما أحلاه من تشبيه واستعارة ، فما أجملها من استعارة ! إنها غاية في الوفاء وآية في الأداء ، ويزيدها بهاءً ووفاءً بكمال المقصود إسناد الاشتعال إلى الرأس ، وإخراج الشيب مميّزاً ، دون إضافته إلى الرأس ، إذ لو قال : واشتعل شيب الرأس ، لم يفهم منه تجلّل الرأس كلّه شيباً وإنارة ، ليكون دليلًا على بلوغ هرمه ، فضلًا عن إشعاره بموضع الشبه للاستعارة ، فجاءت كاملة على طريقة التجريد أيضاً ، حسب البيان الآتي . قال الشيخ عبد القاهر - بصدد بيان شرف النظم في الكلام - : ومن دقيق ذلك وخفيّه أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى : « وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً » لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة ولم ينسبوا الشرف إلّاإليها ، ولم يروا للمزية موجباً سواها . هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم ، وليس الأمر على ذلك ، ولا هذا الشرف العظيم ، ولا هذه المزيّة الجليلة ، وهذه الروعة التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرّد الاستعارة . ولكن لأن يسلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشئ ، وهو لما هو من سببه ، وذلك أنّا نعلم أنّ « اشتعل » للشيب في المعنى ، وإن كان هو للرأس في اللفظ . فلو غيّرته وأسندته إلى الشيب وأضفت الشيب إلى الرأس ليكون على حقيقته ، وقلت « اشتعل شيب الرأس » أو « الشيب في الرأس » ، فهل تجد ذلك الحسن ، وتلك الفخامة ؟ وهل ترى الروعة التي كنت تراها في الآية ؟ والسبب في ذلك أنّ نظم الآية يفيد ، مع لمعان الشيب في الرأس الذي هو الأصل ، معنى آخر هو الشمول والشيوع وأخذه في نواحيه ، وأنّه قد استقرّ به وعمّ جملته ، حتّى لم يبق من السواد شيء . وهذا المعنى لا يكون إذا قيل : اشتعل شيب الرأس ، أو الشيب في الرأس . بل لا يوجب اللفظ حينئذٍ أكثر من ظهوره فيه في الجملة .