الشيخ محمد هادي معرفة
282
تلخيص التمهيد
ولا زوديّة تزهو بزرقتها * بين الرياض على حمر اليواقيت كأنها فوق قامات ضعفن بها * أوائل النار في أطراف كبريت * * * اعترف أهل البيان بأنّ تشبيهات القرآن أمتن التشبيهات الواقعة في فصيح الكلام ، وأجمعهنّ لمحاسن البديع ، وأوفاهنّ بدقائق التصوير . مثّل ابن الأثير لتشبيه المفرد بالمفرد بقوله تعالى : « وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً » « 1 » فإنّه شبّه الليل باللباس ، وذاك أنّه يستر الناس بعضهم عن بعض ، من أراد هرباً من عدوّ ، أو ثباتاً لعدوّ ، أو إخفاء ما لا يحبّ الاطّلاع عليه من أمره . قال : وهذا من التشبيهات التي لم يأت بها إلّاالقرآن الكريم ، فإنّ تشبيه الليل باللباس ممّا احتفى به دون غيره من الكلام المنثور والمنظوم . وكذلك قوله تعالى : « هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ » « 2 » فشبّه المرأة باللباس للرجل ، وشبّه الرجل باللباس للمرأة « 3 » . وهذا من لطيف التشبيه ، كما أنّ اللباس زينة للمرء وساتر لعورته وحافظ له عن التعرّض للأخطار ، كذلك زوج المرء يزيّنه ويستر عوراته ويقيه من مزالق الأدناس . فما أجمل هذا التشبيه وأدقّه من تعبير ؟ ! قال : ومن محاسن التشبيه قوله تعالى : « نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ » « 4 » . وهذا يكاد ينقله تناسبه عن درجة المجاز إلى الحقيقة . والحرث هو الأَرض التي تحرث للزرع ، وكذلك الرحم يزدرع فيه الولد ازدراعاً كما يزدرع البذر في الأرض . « 5 » وقيل من شرط بلاغة التشبيه أن يشبّه الشيء بما هو أفخم وأروع منه ، ومن هنا غلط
--> ( 1 ) . النبأ : 10 . ( 2 ) . البقرة : 187 . ( 3 ) . المثل السائر : ج 2 ص 133 . ( 4 ) . البقرة : 223 . ( 5 ) . المثل السائر : ج 2 ص 133 - 135 .