الشيخ محمد هادي معرفة
280
تلخيص التمهيد
وتعسُر الإجادة فيه ، وقلّما أكثر منه أحد إلّاعثر ، وخاض في عبابه إلّاغرق . فكم من أدباء وبلغاء أكثروا منه إلّازلّوا ، وخاضوا لججه إلّاعاثوا وماثوا ، كما فعل ابن المعتزّ من أدباء العراق ، وابن وكيع من أدباء مصر ، إنّهما أكثرا من ذلك ، فلا جَرَم أنّهما أتيا بالغثّ البارد الذي لا يثبت على محكّ الصواب « 1 » . والتشبيه الذي نبحث عنه لا يخصّ ما كان تشبيهاً بالتصريح ، وإنّما يعمّ التشبيه المضمر في أنواع الاستعارة والتمثيل وغيرهما ممّا هو محطّ بلاغة الكلام . والغرض من التشبيه لا يحصر في عدّ ، حسبما يأتي في كلام الجرجاني ، وإنّما فائدته العامّة هي : أنّك إذا شبّهت شيئاً بآخر فإنّما تقصد إلى تخييل صورة في النفس تشبه صورة المشبّه به المعروفة عند السامع ، فيرغب فيه أو ينفر عنه ، حسبما أوتي المشبّه به من حظّ الحسن أو القبح في النفوس . وهذا يوجب رفعة شأن المشبّه أو ضعته ، تحسينه أو تقبيحه ، على درجة قوّة أداة التصوير في مقام التشبيه . الأمر الذي يرتبط وقدرة المتكلّم في حسن الأداء والإجادة في البيان . قال السكاكي : والغرض من التشبيه يعود في الأغلب إلى المشبّه ، إمّا لبيان إمكانه ، كقول أبي الطيّب : فإن تفُق الأنام وأنت منهم * فإنّ المسك بعض دم الغزال فإنّه لمّا أراد تفضيل الممدوح على سائر الناس ، مع أنّه من جنسهم ، فقد أوهم أنّه من نوع أشرف ، فكان كالممتنع ، ومن ثمّ حاول بيان إمكانه بالتشبيه المذكور . وقد يكون لبيان حاله بوصفٍ خاص ، كما وصف تعالى الهلال بعد خروجه من المحاق ، بتشبيهه بالعُرجون « وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ » « 2 » . أو لبيان المقدار في شدّته وخفّته ، كما جاء في وصف قلوب أهل الغيّ والعناد « فَهِيَ
--> ( 1 ) . المثل السائر : ج 2 ص 123 . ( 2 ) . يس : 39 .